Connectez-vous

ou

Abonnez-vous !
60 DH

1 mois
Découvrir les offres
العربية

المغرب الأصفر.. “تنمية الفقر” في جغرافيا البطيخ والعطش

31.12.2018 à 22 H 42 • Mis à jour le 01.01.2019 à 21 H 26
Par My Rachid Elbelghiti



بين منعرجات طريق “تيشكا”  المعلقة في السماء، تجري المياه دون إنقطاع بين ثنايا الجبل وتجرف معها الصخور والأتربة الى الطريق الوطنية رقم 9 الرابطة بين مدينتي مراكش وورزازات. أشغال توسيع الطريق على قدم وساق بعدما حصدت هذه المنحدرات الوعرة أرواح مئات المسافرين. تحولت الحفر الصغيرة الناجمة عن عمليات الإصلاح الى برك ماء في هذا الموسم المطير غير أن هذا المشهد الخادع يخفي حقيقة جغرافيا العطش المتوارية وراء الجبل والممتدة على آلاف الكيلومترات حيث تموت أشجار النخيل باسقة وتسقط أوراق الحناء يابسة بينما تفتح أوراق أخرى في محاضر الشرطة لشباب في مقتبل العمر بعد مطالبتهم بماء صالح للشرب يروي ظمأ العطشى المرابطين في الواحات.



حي العطشان

عند مدخل مدينة زاكورة ينتصب لوح إشهاري كبير، على الشارع الرئيسي، لشركة ”  أكريماتكو”  التي تقدم بذور SEMINIS الخاصة بالبطيخ الأحمر (الدلاح) والمنتج من طرف المجموعة الدولية “بايير”  تحت شعار “الإنتاجية العالية والجودة الوفيرة” . تعتبر زاكورة من أكبر أقاليم الجنوب الشرقي المغربي التي نزح إليها فلاحون كبار متخصصون في هذا النوع من الزراعات بعد هجرتهم القسرية من سهول سوس خاصة أكادير وتزنيت وكذا مناطق كلميم وواد نون، التي بدأت مياهها في النضوب، نحو أراض شاسعة في أقاليم طاطا، ورزازات، تارودانت وزاكورة حيث الظروف المناخية الملائمة من حرارة مرتفعة طوال السنة وفرشات مائية مازالت قابلة للاستغلال ما يسمح للمزارعين الجدد بإنتاج محاصيل مبكرة تمكنهم من وضع تنافسي مريح في سوق لم تدخله المحاصيل القادمة من مناطق باردة. شركة السماد التي تقدم للفلاحين الجدد هنا بذرة SENTINIL F1   مؤسسة مجهولة الإسم، تحقق رقم معاملات يصل الى 500.000.000 درهم لكن هذا الرقم الكبير يبدو تافها أمام أرباح الفلاحين الكبار، الذين تحولوا الى ملوك في ممالك “الدلاح” ، وحولوا الجنوب الشرقي الى جنة لجني المال السريع وجحيم للفقراء اللاهثين وراء قطرة ماء.



يتهم السكان في الجنوب الشرقي مزارعي الفاكهة الحمراء باستنزاف الفرشة المائية والتسبب في أسوأ أزمة عطش شهدها المغرب في العقود الأخيرة. لم يعد العطش في مدينة زاكورة مجرد قضية تؤرق بال السكان بل أضحت أحياء بكاملها تحمل أسماء عاهاتها ك “حي الظلام”  الذي لم يستفد من الربط بشبكة الكهرباء وتنعدم فيه أعمدة الإنارة العمومية و”حي العطشان”  الذي لم يربط بشبكة الماء الصالح للشرب. في “حي العطشان”  تظهر معالم الفاقة والفقر على البنايات وملامح السكان. مئات المنازل الاسمنتية، غير مكتملة البناء لا يتجاوز علوها طابقين في أحسن الأحوال. ثقوب في الجدران بدون طلاء ونوافذ ضيقة تطل على مساحات صخرية شاسعة في حي لا أرصفة فيه ولا طرق معبدة ولا حدائق.


حسن الدربالي، رجل خمسيني نحيف رسم الشقاء على جبينه الأسمر تجاعيد أكبر من عمره، يسكن الحي منذ خمس عشرة سنة، يقول “نحن الفقراء لا يهتم المسؤولون بحالنا فقد راسلنا سلطات الإقليم في أكثر من مناسبة لكي يجدوا حلا لهذا الحي المنكوب غير أننا لم نتلقى ردودا لمطالبنا ولم نرى إلا وعودا يعطيها المنتخبون للساكنة بمناسبة الحملات الانتخابية ثم يتبخرون بعدها كما يتبخر الماء تحت شمس هذه الصحراء القاحلة” . في “حي العطشان”  نبتت صنابير المياه خلسة بين المنازل، فالساكنة أبدعت حلا غريبا لضمان حاجياتها، ولو جزئيا، من المياه. يتفق ملاك بعض البيوت في هذا الحي المنسي مع أصحاب منازل في تجزئة “بوعبيد الشرقي”  المجاورة، والمجهزة بالماء والكهرباء، فيمدونهم بأنابيب بلاستيكية مدفونة تحت الأرض لمسافة تتجاوز الكيلومتر نحو صنبور مشترك يتوسط أربع الى خمس بيوت حيث يتزود السكان بالماء ويتضامنون في أداء فاتورة صاحب البيت المجهز بعيدا عن أعين ورقابة السلطات المختصة، المطلعة على الوضع بشكل جيد والمتسامحة مع هذا السلوك أمام عجزها عن إيجاد حل دائم لساكنة لم تعد تقبل السكوت على هذا الوضع.



ثورة العطش

صيف سنة 2017 خرجت النساء من “حي العطشان”  في إحتجاجات حاشدة للمطالبة بالماء، كانت التظاهرات عفوية وغير مؤطرة في مدينة عوضت فيها شاحنات الصهاريج خدمات المكتب الوطني للماء الصالح للشرب. حالة من الاحتقان تسود المدينة خاصة مع الانقطاع المتكرر للماء في البيوت وتوالي سنوات الجفاف وتراجع مساحات الزراعة المعيشية في الواحات وضعف الخدمات الاجتماعية وانتشار مرض “الليشمانيوز”  بشكل مهول في القرى المجاورة للمدينة.



يوم 8 أكتوبر 2017 شهدت المدينة مسيرة حاشدة بعد تلبية المواطنين لدعوة نشطاء على الفايسبوك. جاب السكان، من كل الفئات والأعمار، أنحاء المدينة وهتفوا أمام مقر عمالة الإقليم مطالبين بالماء الصالح الشرب. عند نهاية المسيرة إندلعت مواجهات بين المحتجين والقوات العمومية كسرت فيها بعض الممتلكات الخاصة والعامة وحرقت فيها حاويات النفايات واستمر التظاهر في عدد من أزقة المدينة الى ساعة متأخرة من الليل. اعتقل بعد هذه الانتفاضة 31 شخصا من المتظاهرين حيث احتفظت الشرطة ب 15 محتجا في حالة اعتقال أحيل منهم سبعة نشطاء على محكمة الجنايات بمدينة ورزازات من بينهم قاصرين بينما أطلق سراح الباقي. تنوعت الأحكام القضائية بين النافد منها والموقوف التنفيذ وكان آخرها الحكم الثقيل الصادر من طرف محكمة الجنايات، منذ أشهر قليلة، في حق الشاب رضوان الطويل والبالغ من العمر 19 سنة، بتهم “جناية عرقلة السير العام وإضرام النار عمدا في منقولات وتعييب أشياء مخصصة للمنفعة العامة والمشاركة في وضع شحنة متفجرة في الطريق العام والمساهمة في مظاهرة غير مصرح بها والعنف والإهانة ضد أفراد القوات العمومية أثناء قيامهم بعملهم والعصيان وإلحاق خسائر مادية بمنقولات الغير” . عائلة المعتقل ترى التهم خيالية خاصة أن المعتقل لم يكن حاضرا يوم الاحتجاج، حسب تصريح صحافي لأخته الكبرى.



إبراهيم رزقو، عضو المكتب المحلي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، يحمل المسؤولية للقوات العمومية فيما حدث إذ يتهمها بالتحرش بالمحتجين أمام مقر عمالة الإقليم بعد إنتهاء المسيرة التي كان طابعها سلميا قبل أن يستفز عناصر من الأمن عددا من النساء بكلام ناب مما فجر غضب عدد من اليافعين.


يقول الحقوقي “لقد أسسنا تنسيقية للترافع حول إشكاليات الماء منذ سنة 2003 لأن الماء كان مالحا ولا يصلح للشرب وحاورنا ثلاث عمال على مدى عشر سنوات آخرهم العامل المقال من طرف وزارة الداخلية بسبب سوء التدبير وكذا علي الفاسي الفهري المدير العام للمكتب الوطني للماء الصالح للشرب المقال من طرف الملك لأسباب نجهلها إلا أن السلطات اختارت المماطلة والتسويف بدل إيجاد الحلول” .



يرتشف إبراهيم رزقو فنجان قهوته تحت نخلة في باحة فندق السلام ويضيف “انتقلنا سنة 2014 من الحديث عن جودة المياه إلى الحديث عن الندرة أمام إنقطاع الماء المتكرر في فصل الصيف كما انتقلنا من حالة تجاهل السلطة لمطالب السكان الى التجاوب السلبي عبر الردود الأمنية القمعية بدل أجوبة إقتصادية وإجتماعية كفيلة بإطفاء نار الغضب المتقد في الصدور” . يتحدث إبراهيم بصوت عال وإنفعال صادق يلمسه الزائر في طباع سكان جل واحات الجنوب الشرقي. إبراهيم رزقو يتهم زراعة البطيخ الأحمر بتأزيم الوضع فمع انتشار الضيعات أضحى انقطاع الماء متواترا داخل مناطق كانت في منأى عن العطش.


حكومة الماء

شهر أكتوبر من سنة 2014، ثلاث سنوات قبل خروج السكان للتظاهر، شهدت مدينة زاكورة إجتماعا هاما تحت رئاسة العامل عبد الغني الصمودي، المقال من مهامه سنة 2017، حضره كل من شرفات أفيلال، الوزيرة المكلفة بالماء ومدير الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان والمدير الجهوي لمركز الاستثمار الفلاحي بورزازات ومدير وكالة الحوض المائي سوس ماسة درعة والمدير الجهوي للماء الصالح للشرب ورؤساء المجالس المنتخبة بالإقليم. يقول عبد الرحيم شهيد، رئيس المجلس الإقليمي الحالي لزاكورة أن الجميع خرج من هذا الاجتماع بقناعة مفادهاأن زراعة البطيخ الأحمر تشكل تهديدا حقيقيا للفرشة المائية بالمنطقة وأن الوزيرة تفاعلت بشكل إيجابي مع قلق الحاضرين ووعدت بإقناع زملائها في الحكومة بإيجاد صيغة للحد من آثار هذه الزراعات. شهيد يرى، في حديثه ل LE DESK، أن الأمر ليس بالهين فللعطش أسباب متعددة إذ يتهم بشكل مباشر المكتب الوطني للماء الصالح للشرب والذي يصفه ب”المقصر”  على مستوى الاستثمار في البنيات التحتية وعدم صيانة الموجود منها بالإضافة الى التوقف المتكرر للأشغال في محطة تحلية المياه التي لم ترى النور الى يوم الناس هذا. رئيس المجلس الإقليمي يشير بوضوح الى وجود “لوبيات دلاح”  كبرى لها تأثيرها الاقتصادي والسياسي والتي تدافع عن مصالحها بشراسة وأن بعضهم قال بصراحة “ما يمكنش نوقفو الاستثمارات ديالنا باش الأساتذة يشربو الماء فالمدينة”  في إشارة الى رجال التعليم الذين يعتبرون عصب الحركة النقابية والحقوقية والجمعوية في زاكورة والذين يتهمون بتأطير الحركات الاحتجاجية هناك.



مصدر مطلع قال لـ LE DESK أن شرفات أفيلال، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالماء آنذاك، حملت هم سكان الجنوب الشرقي الى اجتماع المجلس الاداري لوكالة الحوض المائي شهر يناير 2018 وتحدثت لبعض من زملائها في الحكومة عن التهديدات التي تشكلها زراعة البطيخ الأحمر للماء ما جر عليها غضب عزيز أخنوش، الوزير النافذ داخل الحكومة والمكلف بالفلاحة والصيد البحري والمياه والغابات والتنمية القروية. المصدر يقول أن الوزير الليبرالي رأى في الخطوة تطاولا وأفهم “الوزيرة الشيوعية”  أن الموضوع خارج عن اختصاصاتها لأن هذه الزراعة تشكل رافعة مهمة من رافعات “مخطط المغرب الأخضر”  الذي قدمه عزيز أخنوش للملك محمد السادس في أبريل سنة 2008 بوصفه خطة متكاملة لتحويل الفلاحة في المغرب الى أولوية القطاعات الاستراتيجية الوطنية. “الخلاف تحول الى خصومة مؤقتة”  يقول المصدر.


في اتصال LE DESK رفضت الوزيرة السابقة التعليق على الموضوع وقالت أن كل ما يمكن أن تصرح به هو علم الوزارة، على عهدها، بالتحديات المرتبطة بندرة المياه في الجنوب الشرقي و”المنجزات”  التي قامت بها خاصة مشروع سد أكدز الذي خصص له مبلغ مليار و200 مليون درهم والذي بلغت فيه نسبة الأشغال 13 بالمائة إبان ولايتها. أفيلال لم تخفي انفعالها عندما طرحت الجريدة سؤالا عن علاقتها بعزيز أخنوش ومدى صحة الخلاف بينهما حول زراعة البطيخ معلقة “التشريع الزراعي ليس من إختصاصي وعلاقتي بالرجل جيدة وإذا كانت لكم أسئلة فوجب توجيهها للوزير الوصي على القطاع (.. ) أنا اليوم لست وزيرة ولا صفة لي للخوض في هذا الملف” . انفعال شرفات أفيلال يرجع، ربما، الى تاريخ الوزيرة مع الصحافة المغربية التي وجدت فيها مادة دسمة للنقد والسخرية خاصة بعد زلة لسان، فسرت خارج سياقها حسب الوزيرة، بمناسبة حضورها للبرنامج التلفزيوني الحواري “ضيف الأولى”  على القناة الرسمية.



أقيلت الوزيرة من مهامها شهر غشت 2018 في ظروف غامضة دون علمها وفي غفلة عن حزب التقدم والاشتراكية الذي تشغل فيه منصبا قياديا بعد صدور بلاغ للديوان الملكي جاء فيه أن “هذا القرار يهدف إلى تحسين حكامة الأوراش والمشاريع المتعلقة بالماء، والرفع من نجاعتها وفعاليتها، وتعزيز التناسق والتكامل بين مختلف الأجهزة والمؤسسات المعنية بالماء التابعة لهذه الوزارة، بما ينسجم مع العناية الخاصة التي يوليها جلالة الملك لهذا القطاع” . القرار تسبب في أزمة بين الحزب اليساري _الذي بات بحقيبتين وزاريتين فقط بعد إقالة أمينه العام في وقت سابق_ ورئيس الحكومة سعد الدين العثماني الذي يقود الحزب الإسلامي، إذ طالب حزب التقدم والاشتراكية في بلاغ له بالمناسبة مده ب”تفسيرات وأجوبة مُقنعة” . كما عبر عن “عدم تفهمه لمغزى هذا الاقتراح، الصادر عن رئيس الحكومة، والذي كانت للوزير الوصي على قطاع التجهيز والنقل واللوجستيك والماء مسؤولية مباشرة فيه”  حسب البلاغ، في إشارة إلى الوزير عن حزب العدالة والتنمية عبد القادر اعمارة والمعروف بصداقته الوثيقة بالوزير عزيز أخنوش، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار. منذ تشكيل حكومة سعد الدين العثماني ظهر أن الماء مادة حيوية تنازعتها عدة حقائب فتفرق دم الماء بين القبائل الحزبية وتوزع على ثلاث وزارات وثلاث كتابات للدولة تتدخل في المجال بطريقة أو بأخرى ما جعل عددا من رواد الشبكات الاجتماعية يسخرون ويطلقون على الحكومة الجديدة لقب “حكومة الماء” .


جنازة الواحات

على طريق الفايجة الرابطة بين إقليمي طاطا وزاكورة حركة سيارات “البيكوب”  والدرجات النارية لا تتوقف. كانت هذه الطريق، الى عهد قريب، مجرد خلاء غير أن الاستثمارات الكبيرة في هذه المنطقة المعروفة بخصوبة أراضيها ومياهها الجوفية العذبة حولتها الى خلية نحل نشطة. حفر الفلاحون الكبار عشرات الآبار في هذه المنطقة وخصصوا مياهها لري زراعتهم التي تغطي 972,75 هكتار، حسب أرقام رسمية غير محينة، ما جعلها تحظى بحصة الأسد من الزراعات المسقية البالغة 1.375 هكتار على أقل تقدير. يرفض المكتب الوطني للماء الصالح للشرب حفر آبار جديدة لتزويد الساكنة بحجة “أن الدراسات أتبثت نضوب المياه”  في مناطق يستفيد من ثروتها الباطنية “أهل الدلاح”  وفق تصريح عبد الله الصوفي عضو المجلس البلدي لزاكورة. ورقة تقنية داخلية قدمت لعمالة زاكورة يتاريخ 14 يوليوز 2016، حصلت عليها LEDESK، تظهر حالة إهمال كبير لآبار من المفترض أن تزود السكان بالماء. سبعة آبار من أصل ثلاثة عشر في منطقتي الفايجة والنبش غير مشغلة إما بسبب غياب التجهيزات أو تهالك مضخاتها أما بعضها فمشغل في حالة مزرية بل توجد آبار غير محمية ما يهدد صحة المستعملين لهذه المياه.



وقف LE DESK على استغلال فلاحين للمياه العذبة في مناطق قالت السلطات أن لا ماء فيها أو رفضت حفر آبار جديدة لتزود جماعتي زاكورة وتامكروت بالماء الصالح للشرب كما حصلت الجريدة على صور إلتقطها أعضاء اللجنة المؤقتة المشكلة من طرف الجماعة الترابية تظهر قنينات غاز مخصصة لضخ المياه موضوعة على آبار تابعة للمكتب الوطني للماء الصالح للشرب كان من المفروض أن تروي ظمأ السكان قبل أن تتحول الى مورد مائي لري ضيعات خاصة، في تجاوز سافر للقانون، حسب اللجنة.




في إقليم طاطا وابتداء من جماعة فم زكيد على الحدود مع إقليم زاكورة وصولا الى جماعة فم الحصن المترامية على الحدود الجزائرية المغربية نمت ضيعات البطيخ الأحمر كالفطر. إخضرار “الدلاح”  هنا لا يعكر صفوه سوى إصفرار الواحات العطشانة، كجسد أصابه اليرقان. واحات، جفت عيونها، لا زرع فيها وعلى حواشيها جدوع أشجار النخيل الساقطة على الأرض بعد طول مقاومة. “صورة هيكل عظمي لحيوان مرمي على أرض قاحلة هي كليشيه الجفاف في المجلات الدولية والوطنية لأن الإعلام لا ينتبه للنخيل اليابس المرمي على الطرقات فالنخلة اليابسة جثمان لا يستفز أحدا”  يقول محمد صاحب مطعم في بلدة فم زكيد. محمد شاب حاصل على الاجازة في الأدب الإنجليزي من جامعة إبن زهر عاد الى مسقط رأسه من أجل الاستثمار لكنه يرى في موت الواحات تهديدا لاستثماره الصغير المرتبط بحركة سياحية طفيفة لأوروبيين يقطعون آلاف الأميال قصد تفقد قصبات الجنوب.



في قرية تازارت التابعة لجماعة “ام الكردان”  جفت 5 عيون وفي دوار “تورسولت”  يستعين السكان بين الفينة والأخرى بالشاحنات الحاملة لصهاريج الماء لسد الخصاص وفي دوار “تيكان”  التابع لجماعة أديس الترابية جفت الآبار ولم يستطع إبراهيم وعزان، وهو فلاح من القرية، أن يجد ماء جوفيا رغم محاولات الحفر المتكررة بسبب انتشار ضيعات البطيخ الأحمر في المحيط. قرية “توك الريح”  ماتت واحتها وسقطت قصبتها التاريخية وقد قام عدد من شبابها بمحاولة لتحويل مياه الفيض الأخيرة الى الفدادين، قصد إنقاذها، بإمكانيات ذاتية معتمدين على سواعدهم دون جدوى. أومايد أيت السرير، ممثل القرية في المجلس القروي، قال ل LE DESK “طرقنا أكثر من باب واستجدينا أكثر من مؤسسة رسمية دون نتيجة فاضطررت لجمع مال قليل من سكان القرية المعدمين واقترض الباقي من أجل كراء جرافة لفتح الطريق أمام بعض من ماء الواد نحو الواحة عبر  قناة تيفليت” .



يجمع الفاعلون في مدينة طاطا على أن الإحتقان الاجتماعي القادم سيكون بسبب الماء وأن انتفاضات الغضب سيفجرها العطش في السنتين القادمتين. رغم هذا الإجماع فلا أحد تحرك لتغيير ألوان هذه اللوحة الداكنة المرسومة بريشة الإهمال واللامبالاة. “لن يستسلم أصحاب الدلاح وسيقاتلون بكل الوسائل الممكنة لوأد أي مبادرة بيئية فالهكتار الواحد هنا يعطي ما بين 75.000 درهم الى 100.000 درهم من الربح الصافي لهؤلاء القادمين من بعيد كما أن السكان الفقراء لا يستوعبون المخاطر ولا يقاومون إغراءات كراء الأراضي وفرص الشغل على هشاشتها إذ تخلق الضيعة الواحدة 50 يوم عمل تقريبا”  يقول موظف محلي في مديرية الفلاحة طلب عدم ذكر إسمه.


طاطا إقليم من أكبر الأقاليم في المملكة وأكثرها شساعة إذ تبلغ مساحتة 26 ألف كيلومتر مربع، ما يوازي مساحة بلجيكا تقريبا، وتبلغ فيه نسبة الفقر والهشاشة، حسب إحصاء المندوبية السامية للتخطيط 43،68 بالمائة ويعتقد أن أزمة الماء ستفاقم الأوضاع الاجتماعية وستزيد من مؤشرات الفقر في الإقليم بسبب اقتناء عدد من الأثرياء لآلاف الهكتارات والاستغلال المفرط للفرشة المائية التي تشكلت على مر قرون بفضل مياه الأمطار والفيض القادمة من جبال باني، عند نهاية الأطلس الصغير. “لقد ماتت الواحات لكن الجميع يرفض إعلان الوفاة وتنظيم جنازة تليق بها”  يقول أحمد بن بلا، عضو مكتب جمعية “طاطا تمورانت – الانسان والبيئة” .  أمام شهادات متشائمة وأرقام صادمة تبدو هذه المدينة الجميلة كأم حامل تحمل في أحشائها توأما سياميا هما الشظف والعطش.



المغرب الأصفر

يُتهم “مخطط المغرب الأخضر”  باستدامة العطش في الجنوب الشرقي مع إصرار البرنامج على دعم زراعة “الدلاح”  في هذه المنطقة عبر تمويله لحفر الآبار وتمويل نظم الري الممركزة عبر التنقيط والضخ والأحواض وغيرها من أشكال الدعم المفيدة للفلاحين الصغار، الذين يحظون بتمويل كامل لزراعتهم في المساحات التي لا تتجاوز 5 هكتارات، لكن المخطط يبقى جنة للفلاحين الكبار الذين حولوا صندوقه إلى بقرة حلوب فالمخطط لا يتدخل في تحديد طبيعة الآبار وعمقها وموقعها كما لا يمنع الزراعات المستهلكة للماء بشراهة ك”الدلاح”  إذ يشكل الماء 90 بالمائة من مكونات البطيخة الواحدة.



بعيدا عن التطمينات والطموح الظاهر في تقارير “البرنامج الوطني لاقتصاد مياه الري” ، التابع للمخطط الحكومي، فإن وزارة الفلاحة تغمض عينيها أمام تصنيف منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة التي صنفت المغرب، سنة 2018، ضمن ال 45 دولة في العالم التي تعاني من ندرة المياه كما تم تجاهل نبوءة خبراء الـ  WRI (World Resources Institute) بمناسبة حديثهم عن عطش مغربي قادم لا ريب فيه. تقارير مستقلة، أنجزت في المملكة، أظهرت الآثار المدمرة لمخطط المغرب الأخضر بشكله الحالي على المناطق الصحراوية وشبه الصحراوية مع إصرار الحكومة على تشجيع زراعة “الدلاح”  واعتبارها إحدى الدعامات المهمة لسياسة الوزير أخنوش. الباحث والجغرافي عزيز بنطالب، العضو في مركز الدراسات التاريخية والبيئية قام بإحصاء، منذ ثلاث سنوات، وقف فيه على أرقام ومعطيات مخيفة. العمل الميداني للجغرافي أحصى 2000 هكتار من مزارع “الدلاح”  وقد وجد أن كل هكتار يستهلك 6000 متر مكعب من المياه العذبة في السنة ما يعني 12 مليون متر مكعب في المجموع أي خمس الموارد المائية السطحية في مجموع حوض درعة.



لا يقف الأمر عند هذا الحد بل إن تاريخ زراعة البطيخ الأحمر في المناطق الواحية بالمغرب يظهر مسؤولية مباشرة في إفقار الأراضي الفلاحية، التي لم تعد صالحة للزراعة بعد استغلالها من طرف فلاحين كبار لسنوات قليلة، من سنة 2007 الى  2010 مثلا، وهذا ما يوضحه محمد الفسكاوي، مدير وكالة الحوض المائي لدرعة في حواره مع جريدة “ليكونوميست” ، عدد 4661، عند حديثه عن منطقة كلميم إذ يقول “مزارعي الدلاح يغادرون المناطق الواحية بسرعة كبيرة ليس بسبب ندرة المياه فقط بل لأن الأراضي الفلاحية يتم إفقارها بشدة فلا شيء ينبت في أرض زارها البطيخ الأحمر” . تحاشى المدير الشجاع التوضيح أكثر والغوص في معطيات تقنية تقول أن كبار الفلاحين يستعملون 400 كليوغرام من الأسمدة الصناعية المختلفة وستة أنواع من المبيدات الكيماوية للوصول الى محصول يناهز الأربعين طنا في الهكتار مما يؤدي الى بعث نسب كبيرة جدا من الأزوت والفوسفور في البيئة الحاضنة وهو ما يتجاوز خطأ إفقار التربة إلى خطيئة تلوبث المياه بل وتسميمها تماما كما حدث في غرب ألميريا بالجارة الإسبانية بعد استبدال زراعة قصب السكر بالبطيخ الأحمر.



يُسر مسؤول كبير داخل وزارة الفلاحة لـ LE DESK، أن زراعة البطيخ الأحمر تعد معضلة كبيرة وأن لمخطط المغرب الأخضر ووزارة الفلاحة مسؤولية كبيرة فيما قد يحدث من قلاقل في الجنوب الشرقي مستقبلا، بسبب إفقار الأرض واستنزاف الماء ما يعني ترك الناس للفاقة والخصاص، لكنه يشير إلى أن صيحات الغضب المبحوحة هناك تختفي أمام “تقديم وزير الفلاحة مخطط المغرب الأخضر بوصفه مشروعا ملكيا مما يلجم نقد المنتقدين ويعطي لعزيز أخنوش وضعا مريحا بعدما أوهم المعارضين بأنه الوزير المستظل بظل السلطان” . يطفئ المهندس المشتغل في مديرية الري وإعداد المجال الفلاحي سيجارته في منفضة “بار ميدي” ، يحزم ربطة عنقه المتدلية طوال الحوار، يطالع وجوه الجالسين في الحانة القريبة من مقر الوزارة قبل أن يهمس مبتسما “هناك سبب آخر للصمت وهو  إزدهار هذه الزراعة و أهمية الأرقام التي تحققها لصالح شخصيات نافذة في السياسة والاقتصاد إذ يحتل المغرب الرتبة 24 في صفوف الدول المصدرة للبطيخ الأحمر الى أسواق دولية واعدة ما يجعل حلاوة الدلاح في أفواه المستثمرين أهم من مرارتها على لسان الفقراء العطشى” .


مخطط المغرب الأخضر له حسنات كثيرة، يقول مسؤول الوزارة، لكنه مخطط ينذر بـ”مغرب أصفر”  في مدن مثل طاطا وزاكورة وعدد من أقاليم الجنوب الشرقي التي سيزداد فيها اصفرار واحات كانت خضراء، غناء وشكلت لقرون خلت درسا في التدبير الجيد والمتضامن للماء. “إن صمتنا تواطؤ في هذه الجريمة”  يختم المهندس كلامه بعدما هجرت الابتسامة محياه.

Par My Rachid Elbelghiti