S'abonner
Se connecter
logo du site ledesk
العربية

ربورتاجالريف الشرقي، نزهة السعداء

08.07.2025 à 14 H 08 • Mis à jour le 08.07.2025 à 14 H 08
Par Sami Lakmahri
Le Golf des Lacs, à Saïdia, dans toute sa splendeur. Oussama Rhaleb / Le Desk
في الشمال الشرقي للمغرب، حيث يلتقي البحر الأبيض المتوسط بجبال لم تفقد نقائها، تمتد أرض أزالت عليها أنامل الزمن معالم تاريخ المملكة، وبنيت على أحجارها هوية لا تُمحى. رحلة تأخذنا عبر جهة تتعدد فيها الجمال والسحر، من السعيدية المضيئة بشواطئها التي تسحر القلوب، إلى وجدة العتيقة، المدينة التي تعانق الماضي وتحلم بالغد، مرورا بحديقة بني يزناسن، ذلك الملاذ البيئي الشامخ، شاهد صامت على حضارة توغل في عمق الزمن.

في صباح من صباحات أبريل، كانت أمواج المتوسط تخفق برقة تحت وقع خطوات العدائين، تتماشى بخجل مع خطى المتنزهين على كورنيش السعيدية، وتحت شمس ربيعية لطيفة، تبدو الصورة بأكملها تجسيدا لاسم هذه المدينة الساحلية التي يمكننا أن نُطلق عليها مجازا "السعادة النقية".


فوجهة السعيدية، إحدى أكثر المحطات جذبا على الساحل المتوسطي المغربي، تتجاوز بكثير فكرة الاصطياف الموسمي. فيها الترفيه، وشواطئ لا تُعد، وبنية تحتية حديثة، لكنها أيضا تُخفي وراءها ريفا بثراء طبيعي استثنائي.


Étendues marines et plages de sable fin, un autre atout séduction du Rif oriental. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskامتدادات بحرية وشواطئ رملية ناعمة... سحر آخر يضيفه الريف الشرقي إلى جاذبيته. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


بعيدا عن صورة الشمال الشرقي المألوفة بالازدحام والتلوث، تشرق هذه الربوع كوجهة للاستجمام تدوم طوال العام. فقد شهدت السعيدية تطورا جذريا خلال سنوات قليلة، إذ بجانب توسعتها العصرية التي امتدت حتى الضفة الغربية لوادي ملوية، تَعِد المنطقة برحلة فريدة نحو مواقع طبيعية محمية، احتضنها أجدادنا منذ آلاف السنين.


Devant l’embouchure de la Moulouya, où le fleuve plonge dans la Méditerranée. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskأمام مصب وادي ملوية، حيث يرتمي النهر في حضن البحر الأبيض المتوسط. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


آثارهم ما زالت تحكي قصتها في عمق منتزه بني يزناسن، تلك المحمية التي تمتد على سبعة آلاف هكتار، تحتضن مغارتين تروي قصصا قديمة من عالم ما قبل الإنسان. كما تنبض هذه الحكايات في وجدة العتيقة، في مكتبتها التي تروي العلم، وفي شوارعها التي تهمس بذكريات تاريخية، فهذه الأرض غنية بتاريخها وتربتها، تُكافئ كل زائر فضولي بمفاجآت لا تنتهي.


À l’entrée de l’Aire protégée de Béni Snassen. Oussama Rhaleb / Le Deskعند مدخل المجال الطبيعي المحمي ببني يزناسن. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


السعيدية... مدينة تتوسّع

الوصول إلى السعيدية عبر البر، على الطريق الساحلية، هو تجربة لا تشبه غيرها، حيث يتراقص منظر البحر الأزرق بين المنعطفات الحادة التي تلامس منحدرات صخرية لا تزال محتفظة بسحرها الأولي. الطريق الوطنية رقم 16، الممتدة من طنجة حتى حدود المغرب الشرقية، تأخذ المسافر في رحلة بصرية بين جمال الطبيعة وروعتها.


Sur le littoral méditerranéen de la région du Rift oriental, la rencontre entre les récifs montagneux et la mer offre des panoramas saisissants. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskعلى الساحل المتوسطي للريف الشرقي، تتعانق الشعاب الصخرية مع زرقة البحر لتمنح الناظر مشاهد آسرة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


بعد تجاوز مدينة الناظور، تبدأ المنحدرات العالية في الكشف عن اللون الأزرق المميز للبحر. وعلى امتداد المنعطفات، يمكن رؤية الأمواج وهي تدخل إلى خلجان طبيعية محاطة بتشكيلات صخرية حافظت على حالتها الأصلية.


L’une des nombreuses criques cachées dans le creux des falaises du littoral méditerranéen. Oussama Rhaleb / Le Deskإحدى الخلجان السرية المتوارية بين تجاعيد الجروف الساحلية. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


هذا المشهد الطبيعي يعكس الإمكانيات الواسعة التي يوفرها الساحل للزوار، خصوصا في فصل الصيف. ومع الاقتراب من السعيدية، يتضح أن الجهة لم تعد وجهة موسمية فقط، بل أصبحت منطقة للاستجمام على مدار السنة. ويؤكد ذلك جليل بنيس، المدير العام لشركة تنمية السعيدية، بقوله : "نسجل في السعيدية معدل 300 يوم مشمس في السنة، وإذا بدا الجو باردا بعض الشيء للسباحة، فإن الخيارات الترفيهية المتاحة تبقى كثيرة."


هذا الطرح لا يمثل وعدا مستقبليا فحسب، بل يعكس واقعا ملموسا. فالمسافر القادم إلى السعيدية، سواء لأول مرة أو بعد غياب، قد يُفاجأ بالتطور الحاصل، إذ نشأت على مقربة من المدينة الشاطئية المعروفة منطقة عمرانية جديدة تشكل ما يشبه "سعيدية ثانية".


Des bateaux amarrés dans le paisible port de plaisance de Saïdia Mediterrania. Oussama Rhaleb / Le Deskقوارب راسية في ميناء السعيدية الترفيهي، حيث يسود هدوء البحر وصفائه. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


وقبل الوصول إلى هذه المنطقة الجديدة، يمكن للزائر أن يستمتع بزيارة أحد أبرز المواقع الطبيعية في المغرب. عند آخر تقاطع قبل المارينا الجديدة، يمكن الاتجاه نحو الساحل عبر طريق "الحلك"، حيث يتبع المسافر مجرى نهر ملوية في مساره الأخير نحو البحر. هنا يقع مصب ملوية، وهو محمية طبيعية تُعد من أبرز مناطق التنوع البيولوجي. تشكل هذه المنطقة الرطبة وجهة مثالية لمحبي السياحة البيئية، كما تأوي عشرات الأنواع من الحيوانات، خاصة الطيور المهاجرة التي تستقطب مراقبي الطيور المغاربة والأجانب على حد سواء.


Au cœur de la réserve de la Moulouya, un poste d’observation attend les « birdwatchers ». Oussama Rhaleb / Le Deskفي قلب محمية ملوية، ينتظر مركز للمراقبة عشاق تأمل الطيور. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


المصب.. ملاذ طبيعي

في هذا الركن المحمي من الطبيعة، تجد الطيور المهاجرة والمقيمة الظروف المثالية للتغذية والتكاثر في طمأنينة، وذلك منذ إدراج مصب ملوية سنة 2005 ضمن لائحة المواقع ذات الأهمية البيولوجية والإيكولوجية (SIBE). ومن نقاط المراقبة المنتشرة حول المصب، يمكن للزائر أن يترصد، عبر مناظير منصوبة في المكان، أنواعا نادرة من الطيور، مثل "الطيطوي الأبيض"، و"البلشون مُشوك الريش"، و"الحذف الرخامي"، وصولا إلى نجم المكان : الفلامنغو الوردي، سيد الجمال في سماء المتوسط. تمتد المنطقة الرطبة على مساحة تقارب 2.500 هكتار، وتُستكشف في الغالب على امتداد قناة نهرية بطول 7 كيلومترات، تمرّ أحيانا عبر غابة فيضية تُعد من النوادر البيئية في المغرب، إذ تُغمر بالمياه موسميا وتضم أنواعا متوطنة من الأسماك، وأحيانًا أخرى عبر سبخات ملحية تكوّنت بفعل حركة النهر.


Un chenal de sept kilomètres guide le visiteur dans l’exploration de l’embouchure de la Moulouya. Oussama Rhaleb / Le Deskممر مائي يمتد لسبعة كيلومترات يقود الزوار نحو اكتشاف أسرار مصب ملوية. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


كل هذا التنوع البيولوجي هو نتاج مباشر لقوة نهر ملوية، هذا الشريان المائي الذي شكل معالم الجغرافيا، كما نقش أثره في التاريخ. يُعد نهر ملوية أهم مجرى مائي مغربي يصبّ في البحر الأبيض المتوسط، إذ يمتد لأكثر من 600 كيلومتر، من منابعه بين جبال الأطلس قرب ميدلت، مرورا بشرق الريف، حيث شكل منذ القدم حدودا سياسية طبيعية تفصل بين كيانات متعاقبة.


ففي سنة 25 قبل الميلاد، كان النهر يُجسد الحد الفاصل بين موريطانيا الطنجية (الثلث الشمالي من المغرب حاليا) وموريطانيا القيصرية (شمال الجزائر المعاصرة). وقد ورد ذكره في كتابات المؤرخ الروماني سالوست (85-35 ق.م)، الذي تناول معركة "مولوشا" الحاسمة، التي دارت رحاها على ضفاف النهر سنة 105 قبل الميلاد، وانتهت بهزيمة الملك النوميدي يوغرطة (160-104 ق.م) أمام الجيوش الرومانية وحلفائها.


وفي زمن لاحق، خلال عهد السعديين (1549-1659)، رسم نهر ملوية الخط الفاصل بين الإمبراطورية الشريفة وإيالة الجزائر العثمانية، التي بسطت نفوذها على الأراضي الجزائرية بدءا من القرن السادس عشر. وهكذا لم يكن ملوية مجرد نهر، بل كان معلما جيواستراتيجيا ساهم في تشكيل الهوية السياسية للمغرب الحديث، إلى جانب كونه مهندسًا طبيعيًا صنع ملامح المشهد البيئي الخلاب في أقصى شرق البلاد.


من هنا، نغادر المصب ونتجه شرقا على الطريق الوطنية رقم 16، حيث يُصادفنا عند مشارف قرية بونوا مفترق طرق يشير، عبر لوحة إرشادية، إلى الطريق المؤدي نحو سعيدية المتوسطية. وبعد مسافة قصيرة، يستقبلنا مجسم حجري ضخم، نُقش عليه اسم المشروع، كأنه إعلان رسمي بولادة وجه جديد للمدينة الشاطئية.


إطلالة على البحر

شوارع مستقيمة، ومحلات حديثة التنظيم، ومساحات ترفيهية، وميناء ترفيهي يقدم للزائر أول انطباع عن وجهة واعدة. هكذا بدأت النسخة الجديدة من محطة السعيدية ترى النور، ضمن مشروع توسعة وُلد في إطار المخطط الأزرق، الذي أُطلق لتحديث العرض السياحي الساحلي بالمغرب، تحت رعاية الملك محمد السادس. الملك، الذي يُكن ودا خاصا لهذه الربوع الشرقية، لم يتردد في تدشين المشروع شخصيا سنة 2009، خلال أحد إقاماته الصيفية في الجهة. ومن بين الأسماء التي ساهمت في بلورة هذا الورش الكبير، جليل بنيس، الذي لا يخفي اعتزازه بما يُسميه "أسلوبا جديدا للترويج لوجهة فريدة ضمن المشهد السياحي"، مؤكدا وعيه بضرورة كسر النمطية. ويضيف : "لقد تغيرت انتظارات المسافرين. لم يعودوا يبحثون فقط عن الشمس والرمال، بل يتطلعون للاستكشاف، وممارسة الرياضة، والترفيه، وتذوق الطعام الجيد، والتعرف إلى السكان المحليين".


Station balnéaire de Saidia. © Mohamed Drissi Kamili / Le Deskالمنتجع البحري بالسعيدية. تصوير: محمد الإدريسي الكاميلي / لوديسك


لذلك، يسعى مطورو مشروع "السعيدية المتوسطية" إلى الاستجابة لهذا التحول، مستفيدين من الإمكانات الطبيعية واللوجستية للمنطقة . لكن قبل جذب الزوار، كان لا بد من كسر بعض الصور النمطية عن الريف الشرقي. يقول جيلالي بنيس : "يقال أحيانا إن منطقتنا تعاني من الاكتظاظ في الصيف. صحيح أن السعيدية وجهة مفضلة للعطلة الصيفية، بل ولأوقات أخرى من السنة، لكن الواقع اليوم تغير : كبرى علامات الفندقة العالمية باتت حاضرة، لضمان جودة الإيواء لكل الزوار، مهما كانت تطلعاتهم أو ميزانياتهم".


De nombreux et prestigieux hôtels garantissent le confort pour tous. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskفنادق فخمة ومتعددة تضمن راحة النزلاء من مختلف الأذواق. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


في المنطقة الجديدة وحدها، فتحت ستة فنادق مصنفة خمس نجوم أبوابها، توفر مجتمعة أكثر من 6.500 سرير، إضافة إلى خيارات الإقامة المتنوعة في المدينة القديمة، بما يناسب مختلف الميزانيات. أما الصورة النمطية الثانية، التي تطال سواحل المتوسط عموما، فتتعلق بجودة مياه السباحة. وهنا يرد بنيس بثقة : "نحصل كل عام على علامة اللواء الأزرق التي تمنحها مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، وهي شهادة تضمن سلامة المياه من أي مخاطر صحية".


تظل شواطئ المنطقة أبرز عناصر الجذب في الريف الشرقي، الذي يزخر بتنوع مدهش في مناظره الساحلية. ويكفي أن نبدأ من شاطئ السعيدية نفسه، الممتد على 14 كيلومترا من الرمال الذهبية، يحتضن بين جنباته مرسيين سياحيين، لتتضح لنا فرادة هذه الواجهة الأطلسية. وإن اخترت توسيع الاستكشاف، فحضر عدّتك جيدا، لأن الجولة ستكون طويلة…


La Marina de Saïdia Mediterrania offre un cadre pour des balades au fil de l’eau. Oussama Rhaleb / Le Deskمارينا السعيدية فضاء مثالي لنزهات مائية هادئة على إيقاع الأمواج. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


نحو الشرق، باتجاه الناظور، وعلى امتداد شريط رملي لا يكاد ينتهي، تصل إلى رأس الماء، المعروف محليا بـ"كاب دو لُو" (Cap de l’eau). مكان يحتضن ميناء ترفيهيا صغيرا يعكس طابع نظيره في السعيدية المتوسطية، ويُعد من أبرز وجهات عشاق المأكولات البحرية. يؤكد بنيس : "الأسماك هنا طازجة بشكل استثنائي. إنه عنوان لا يُفوَّت لمحبي المذاق البحري الأصيل". من على القمم الصخرية التي تتوج هذا الموقع المطل على البحر، يقف منار مرتفع ليكشف أمام الناظر مشهدا بديعا : الجزر الجعفرية،  ثلاث جزر صخرية تبعد حوالي 3 كيلومترات عن الساحل. تنتمي اليوم إلى الثغور المحتلة من طرف إسبانيا، وكانت منذ العصور الفينيقية محط أطماع لما تتمتع به من موقع استراتيجي وسط المتوسط.


La Marina de Saïdia est aussi un terrain de jeu pour les amateurs de sports nautiques. Oussama Rhaleb / Le Deskالمارينا كذلك ملعب لعشاق الرياضات البحرية بكل أنواعها. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


ولا تنتهي الجولة هنا، إذ تتواصل الرحلة بعد رأس الماء، عبر منحدرات صخرية تعيدك إلى الأعالي، قبل أن يُفاجئك البحر من جديد بخليج رملي صغير، أشبه بلوحة فنية. 


L’immense plage de Saïdia, qui s’étend sur près d'une quinzaine de kilomètres. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskالشاطئ الفسيح للسعيدية، يمتد على حوالي خمسة عشر كيلومترا. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


شواطئ خلابة، بعضها لا يمكن بلوغه سوى عبر القوارب، فتكون حكرا على عشاق المغامرة. ومن بين أشهر هذه المواقع، "الشاطئ الأحمر"، وهو شريط رملي ناعم مستتر بين جدارين صخريين عملاقين بلون أحمر قانٍ، منه اشتُق الاسم. تحميه الجروف من الرياح، وتمنحه مياها صافية فيروزية، حتى يخال الزائر أنه في قلب الكاريبي، لا على سواحل الريف المغربي.


Superbe plage prisée par les estivants, la Plage rouge n’est accessible que par voie marine. Crédit: Mohamed Drissi Kamili / Le Deskالشاطئ الأحمر، أحد الجواهر الخفية، لا يُبلغ إلا عبر البحر. تصوير: محمد الإدريسي الكاميلي / لوديسك


زمن السوينغ

ما إن تتجاوزوا ساحل السعيدية حتى ينفتح أمامكم مسار الفردوس نحو شواطئ الشمال، الممتد حتى الناظور، حيث يتعانق المشهد الحضري بعطلة الحلم في أحضان البحر. أو، إن شئتم، عودوا أدراجكم إلى السعيدية، التي لم تعد تكتفي بظل المظلات لتغري زوارها. عشاق رياضة الغولف يعلمون ذلك حق المعرفة، فقد كان لكثير منهم شرف خوض تجربة إحدى أكثر المسارات شهرة على مستوى العالم. ولكن حذار، فالإدمان هنا وارد !


Grâce ses infrastructures golfiques, Saïdia attire amateurs comme professionnels de la petite balle blanche. Oussama Rhaleb / Le Deskبفضل بنى تحتية رياضية متميزة، تجذب السعيدية هواة ومحترفي رياضة الغولف على حد سواء. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


"تخيلوا أن تسبحوا بين ضربة وأخرى... هنا، الأمر ممكن"، هكذا يصف جليل بنيس ملعبا صار وجهة لعشاق الغولف من كل الأصقاع. يحمل هذا المسار اسم "تلال"، وقد صممه سنة 2017 الفرنسي نيكولا جواكيميد، أحد نجوم هذه الرياضة. يمتد هذا المسار كأنما ينساب بانسجام من الأخضر إلى الأخضر، ليمنح لاعبيه إطلالات بحرية آسرة، ويغريهم بالاقتراب من البحر حتى تكاد الضربة التالية تُوجّه من فوق الأمواج.


Gare au « bunker » dans le parcours de Teelal, à Saïdia. Oussama Rhaleb / Le Desk


غير بعيد عن هناك، تتيح السعيدية لروادها ملعبا آخر لصقل مهاراتهم في الغولف، بمساعدة مدربين محترفين. افتُتح هذا المسار سنة 2009 تحت اسم غولف البحيرات، ويمتد على مساحة 63 هكتارا، منها 8 هكتارات من البحيرات التي تمنحه اسمه. يميل هذا المسار إلى الطابع الكلاسيكي، لكنه لا يقل جاذبية، حيث يستقطب عشاق الغولف من مختلف أنحاء العالم، وحتى من أوساط الاحتراف. "نستقبل مئة لاعبة من نخبة هذا المجال، يأتين للاستفادة من الظروف المثالية ومن مسارينا لتأسيس معسكرهن الشتوي. بل إن كثيرا من المحترفين باتوا يفضلون السعيدية على وجهات تقليدية مثل دبي"، يقول جليل بنيس.


Le Golf des Lacs, baigné de rayons de soleil crépusculaires. Crédit: Oussama Rhaleb / Le Deskغولف البحيرات، يسبح في دفء أشعة الغروب الذهبية. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


وإن لم تكن من أنصار الكرة البيضاء الصغيرة، فإنك ستجد لك في هذا الركن من الريف الشرقي مكانا بين الرياضيين من مختلف التخصصات. فالمقاربة هنا شاملة، تجمع المحترفين والهواة في فضاء طبيعي فريد، تتكامل فيه البنى التحتية الرياضية مع جمال المشهد. ويكفي أن نذكر استضافة السعيدية لبطولة إفريقيا في الترياثلون، حيث انطلقت المنافسات بين الجري وركوب الدراجات والسباحة، وسط إعجاب الاتحاد الدولي لهذه الرياضة، الذي يطمح إلى إدراج المدينة ضمن مراحل بطولة العالم.


ولتمارين القلب، تضيف المدينة لمسة إنسانية نابضة، من خلال فعالية "ريد ميد" السنوية، وهي منافسة جماعية متعددة التحديات تشمل الجري الجبلي، ركوب الدراجات الهوائية الجبلية، السباحة، والتجذيف، وذلك ضمن روح رياضية وتضامنية وبيئية في آن واحد. يعود ريع هذا الحدث إلى جمعية أصدقاء الشريط الوردي، التي تساند النساء المصابات بسرطان الثدي.


وبعد هذه الجولة الرياضية النشطة، احتفظ ببعض أنفاسك، فالمغامرة لم تنته بعد. إذا غادرت السعيدية جنوبا، يتحول الطريق الوطني رقم 16 إلى الطريق رقم 17، وهناك، في النقطة الحدودية الأضيق، تصل إلى مكان يُدعى "بين لجراف". هنا، يتبادل المغاربة والجزائريون التحايا من بعيد، في مشهد إنساني يعكس القرب رغم الحدود. وفي لحظات النصر الكروي، كما حصل بعد تتويج "محاربي الصحراء" بكأس إفريقيا 2019 أو ملحمة "أسود الأطلس" في مونديال قطر 2022، يتحول هذا الفضاء-المطل إلى مدرج حماسي يُحتفى فيه بكل إنجاز مشترك.


الطبيعة والاكتشاف

بعد قطع بضع عشرات من الكيلومترات، يتبدل المشهد على نحو مذهل، في تذكير حي بأن المغرب أرض للتنوع المدهش والتباينات الحادة. خلفك السعيدية الغناء، وأمامك طلائع الصحراء التي تلوّح بأرضها القاحلة وتضاريسها الصخرية المنحوتة بيد التعرية. مشهد سينمائي آخر يتوقف عند مفترق أحفير، حيث يدعوك الطريق الوطني رقم 2 إلى الانعطاف غربا، بين حقول زراعية متنوعة، باتجاه مدينة بركان، التي أعاد لها إشعاع المنطقة انتعاشا جديدا خلال السنوات الأخيرة.


ومع اقترابك منها، يعود ارتفاع الأرض ليظهر حاجزا جبليا أخضر ينهض أمامك. وللولوج إلى هذا العالم العتيق، حيث عاش أسلافنا قبل عشرات الآلاف من السنين، عليك أن تترك الطريق الرئيسية لتسلك الطريق الجهوية رقم 607، فتدخل أرض منتزه بني يزناسن.


إنه فضاء طبيعي محمي، تكسوه غابات الصنوبر، ويعد جنة لعشاق المشي في الطبيعة ومراقبي الحياة البرية والنباتية. يحمل اسمه من إحدى أشهر التحالفات القبلية في المنطقة، التي نشطت خلال الاضطرابات التي سبقت الاستعمار، حين وقفت إلى جانب المقاومة الجزائرية أواخر القرن التاسع عشر، ثم قاومت دفاعًا عن أراضيها مع بداية القرن التالي.


Une réserve naturelle protégée de l’activité humaine, à quelques kilomètres de Saïdia. Oussama Rhaleb / Le Deskمحمية طبيعية بعيدة عن صخب الإنسان، على مرمى حجر من السعيدية. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


لكن هذا المنتزه يحفظ ذاكرة أقدم بكثير، ذاكرة كنا نظنها طُمِست إلى الأبد. لفهم هذه الذاكرة، نتجه أولا إلى قرية تافوغالت، بهندستها المعمارية الفريدة وسقوفها المائلة المغطاة بالبلاط الأحمر، قرية تنبض بالحياة في يوم السوق، ثم تستعيد سكينتها باقي الأسبوع. ومن هناك، تقودك طريق صغيرة إلى فسحة فسيحة، توحي بأنك أمام موقع يستحق التوقف. لوحة كبيرة ترحب بك، تحمل صورة طائر جارح يفرد جناحيه، ورأس كبش بري، وتعلن : "المنطقة المحمية بني يزناسن".


على مسار مؤطر بحواجز خشبية، يلوح لنا شاب من بعيد ويدعونا للانضمام إليه. إنه إسماعيل الزياني، باحث متخرج من المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، وطالب دكتوراه في جامعة لاس بالماس الإسبانية، له مقالات منشورة في مجلات علمية مرموقة حول العالم. كان ينتظرنا أمام السياج الذي يحمي مدخل مغارة الحمام، الموقع الذي أصبح أحد أبرز المتخصصين فيه.


رغم الساعات الطويلة التي قضاها هنا، بين المجرفة والفرشاة، لا يزال هذا الباحث الوجدي يفيض شغفا بالمكان، ونبرة صوته تكشف انبهارا لا يخبو، في سرد حكاية كهف لا تسكنه طيور، بل تعشش فيه الأسرار.


سألناه، بدافع الفضول المشروع : "ما الذي يجعل هذا الموقع مميزا إلى هذا الحد؟". وبينما ننتظر فتح البوابة، بدأ يشرح بنبرة الواثق : "هذه المغارة تسرد قصة بشرية ممتدة على قرابة مئة ألف عام، وهو أمر نادر عالميا، وكنز لا يُقدر بثمن بالنسبة لعلماء الآثار". ثم انطلق في سرد طويل، تشربه السامعون كما لو كان ترنيمة ماضية.


كل شيء بدأ في أواخر ثلاثينيات القرن الماضي، حين عثر قسم الآثار التابع للإدارة الاستعمارية على ما يزيد عن 150 عظمة بشرية، موضوعة في ما يُعتقد أنه مقبرة تعود إلى 15 ألف سنة. وقد نُسبت هذه العظام إلى الثقافة الإيبيروموريسية، وهم من الإنسان العاقل (Homo Sapiens) الذي عاش في شمال إفريقيا بين 25 ألفا و10 آلاف سنة قبل الميلاد. اكتشاف مذهل، لكنه، كما يقول إسماعيل، "لم يكن سوى قمة جبل الجليد". ففي عام 2003، اكتشف فريق بحث بقيادة عبد الجليل بوزوكار (مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث) جمجمة بشرية عمرها 15 ألف سنة، تظهر عليها علامات واضحة لعملية جراحية دقيقة تدعى "الثقب القحفي"، تُجرى للتدخل داخل الجمجمة. الأهم أن آثار الالتئام حول موضع الحفر أثبتت أن الشخص خضع للعملية ونجا منها.


في عمق الأزمنة

ما يشرحه لنا عالم الآثار هو أن مغارة الحمام لا تحتوي فقط على آثار من الماضي، بل هي، كما يقول، "نافذة على ثقافة شعب وجد هنا ملاذا للحياة، ومصدرا للغذاء، ومكانا للزينة، والتداوي، وموضعا لدفن الموتى". 


أحدث الاكتشافات في هذا الصدد، التي كُشف عنها مطلع عام 2024، تؤكد أن أسلافنا في العصر الحجري استخدموا ثمار نبتة الإيفيدرا (Ephedra) لتسكين الألم والحد من النزيف. ولكي يتمكنوا من الاستفادة من هذه النبتة، كان لا بد من إتقان استعمال النار للتحميص، والدليل على ذلك، كما يمكن لأي زائر أن يلاحظ، هو الطبقات السميكة من الرواسب الرمادية عند مدخل المغارة، التي تُعد بقايا رماد تراكم على مدى قرون طويلة.


لكن الكنز الأكبر الذي تقدمه مغارة الحمام هو ذاك السجل المتصل للحضور البشري في هذا المكان. "قبل ظهور الثقافة الإيبيروموريسية، كان هذا الموقع مأهولا بما يُعتقد أنه سلفها المباشر. لقد عُثر هنا على بقايا صناعة حجرية تعود إلى العصر الحجري القديم الأوسط، تُعرف باسم الثقافة العاتيرية"، يوضح إسماعيل.


هذه الثقافة، التي تميزت ببراعة الإنسان القديم في نحت الأدوات، كما تعد أول ثقافة معروفة باستخدام الزينة المصنوعة من الأصداف البحرية، تفتح لنا نوافذ لفهم تطور الإنسان العاقل في شمال إفريقيا. وإذا كان أقدم إنسان عاقل عُثر عليه في موقع إيغود قرب شيشاوة سنة 2017، فإن مواقع مثل تافوغالت تعد علامات حاسمة في تتبع مسيرة تطوره.


ولا غرابة إذن في أن تمثل هذه المغارة كنزا علميا لا يقدر بثمن. يقول إسماعيل الزياني : "ما زال أمامنا الكثير من العمل، وليس فقط في مجال الحفريات الأثرية. الطموح اليوم هو إشراك الجمهور الذي يزور هذا المنتزه، من خلال مشروع متحف سيرفع من قيمة الموقع، ويجعل من هذا الاكتشاف تراثا إنسانيا مشتركا".


دليل هذا الاهتمام يتجلى في زوجين فرنسيين في الستينات من عمرهما، شدتهما شروحات الباحث الشاب. لم يكن الرجل يكتفي بالاستماع، بل أخرج دفترا صغيرا من حقيبته وبدأ يدون ما تقوله مغارة الحمام عن ماض سحيق للإنسان.


L’entrée de la Grotte du chameau, vue de l’intérieur. Oussama Rhaleb / Le Deskمدخل مغارة الجمل، كما يبدو من الداخل. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


وفي الحلقة القادمة من رحلتنا الاستكشافية داخل منتزه بني يزناسن، ننتقل إلى كهف آخر شهير : مغارة الجمل. تقع في وادي زكزل، في حضن طبيعة خضراء حيث تنتشر النُزل الريفية التي تقدم الإيواء والمأكل وسط أجواء نقية.


Dans une galerie souterraine de la Grotte du Chameau, la roche prend une teinte émeraude. Oussama Rhaleb / Le Deskفي دهاليز مغارة الجمل، تتلون الصخور بدرجات الزمرد الأخضر. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


الموقع معروف منذ عقود، لا فقط من قبل المغامرين والمختصين في علم الكهوف، بل أيضا من قبل عشاق الطبيعة. "إنه مكان مذهل بكل بساطة ! من المؤسف أن الوصول إليه محدود"، يقول سليم، شاب ثلاثيني من الرباط، قرر أخذ بضعة أيام لاكتشاف هذه المنطقة من بلده، والتي يعترف بـ"جهله لها حتى وقت قريب".


À l’intérieur de la Grotte du Chameau, le chemin est balisé et éclairé par des spots lumineux. Oussama Rhaleb / Le Deskداخل المغارة، مسار منير بدقة، يُرشد الزائر بين الأضواء والصخور. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


كان قد وضع مغارة الجمل على خارطة رحلته، دون أن يعلم أن الموقع يخضع حاليا لدراسات لإعادة تأهيله بالكامل. ومع ذلك، لم يمنعه ذلك من تسلق المنحدر الحاد عبر مسار جبلي حتى وصل إلى بوابة الكهف الشاسعة، التي تشبه مدخل قصر تحت الأرض.


تمهد تلك الفتحة لولوج مجمع كهفي هائل يمتد على حوالي 700 متر، عبر ثلاثة مستويات من الممرات التي تزدان بأعمدة من الصواعد والنوازل الخلابة. هذه التحف الطبيعية، التي نحتتها المياه الجوفية بصبر على مدى قرون، تضاء عادة بأضواء تسلط عليها فتشكل عرضا بصريا يبقى في الذاكرة.


لكن الذاكرة لا تسكن الصخور وحدها، بل تخلدها النقوش الصخرية على جدران الكهف، التي تركها أجدادنا لتكون رسائل من الماضي البعيد. هذه الرسوم، التي تعود إلى 12 ألف سنة، تعد بحسب الخبراء ذروة التعبير الفني لما قبل التاريخ، وآثارها حاضرة في أنحاء منتزه بني يزناسن بأكمله.


الجهة الشرقية الجميلة

قبل أن نغادر وادي زكزل، لا بد أن نشير إلى أن هذا الجوهرة الطبيعية والبيئية للمنطقة لا يقتصر على توفير مسالك للمشي تناسب جميع المستويات فحسب، بل يشكل أيضا تحديا كبيرا لعشاق التسلق على المنحدرات الصخرية. فالمتخصصون يعرفون جيدا مسارات أسد الصخور، وجرف الصقور، و"أزرو ن لخروف"، تلك المواقع التي تحمل في طياتها مزيجا من المغامرة والإتقان وسط مناظر طبيعية خلابة تأسر القلوب.


ولكن لا تكتمل رحلة استكشاف الشرق إلا بالغوص في عمق وجدة، "المدينة الألفية" التي تتردد أصداء تاريخها العريق في بنائها العمراني، ونسيجها الاجتماعي، وحراكها الثقافي. فهي المركز الحضري الأكبر في جهة الشرق، ويزيد عدد سكانها على سبعمئة ألف نسمة، يرتفع هذا العدد خلال عطلة الصيف مع عودة الآلاف من أبناء الشتات الذين وجدوا في هذه الأرض موطن الأجداد وملجأ الذكريات.


يمكن الوصول إلى وجدة بسهولة عبر الشمال، وأيضا عبر الغرب عبر الطريق السيار رقم 2، الذي يصل إلى نقطة نهايته عند بوابات المدينة. وعند مدخلها تظهر كل سمات المدينة الكبرى، بشوارعها الواسعة المستقيمة التي تتلاقى نحو مركزها القديم، ذلك المركز الذي صنع شهرتها خلال القرن العشرين.


تبدأ رحلتك أولا في ساحة 3 مارس الشاسعة، ذاك الفضاء الدائري الفريد، والمكان العام الأكثر حيوية بين أهالي وجدة. فهي ساحة تمتاز بضخامتها، محاطة من جهة بمسجد محمد السادس، ذلك الصرح المهيب الذي يسع ثلاثة آلاف مصل، وهو شاهد على المكانة الدينية لمدينة الشرق، ومن الجهة الأخرى، يستقر مسرح محمد السادس الذي افتتحه الملك في 2012، في إشارة واضحة إلى انفتاح المدينة على الثقافة والفنون.


Sur une place commerçante à Oujda, capitale de l’Oriental. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskفي ساحة تجارية بوجدة، عاصمة الشرق المغربي .تصوير: أسامة غالب / لوديسك


هذا البناء يبرز جانبا آخر من وجدة، وهو كونها مرجعا ثقافيا بارزا، ويعزز قدرتها على احتضان فعاليات كبرى، مثل مهرجان الراي، ومهرجان الشاي، بالإضافة إلى المعرض السنوي الشهير للحرف اليدوية. وبعد جولة في ساحة 3 مارس، تدخل إلى قلب المدينة، حيث تلتقي واجهات المباني بروح معمارية تحمل تشابها لافتا مع تلك التي تزين الدار البيضاء، وهو أمر ليس من قبيل المصادفة؛ فقد كانت وجدة خلال فترة الحماية الفرنسية ساحة أخرى من ساحات التعبير عن فن العمارة الآرت ديكو، ذلك الأسلوب الذي تميز بانسيابية خطوطه ودقة تفاصيله المعمارية الدقيقة، وهو الفن الذي صنع شهرة العاصمة الاقتصادية للمغرب.


مدينة الأربعمائة مسجد

تقع وجدة على تخوم الحدود، وكانت من أوائل المدن التي شهدت بزوغ النفوذ الفرنسي عبر الجزائر المجاورة. وسرعت شبكاتها الحديدية التي سبقت غيرها في البلاد، وتنظيمها العمراني النموذجي لعهد الحماية، منحاها موقعا فريدا في طليعة المدن الحديثة.


هذا الإرث العريق أصبح جزءا من هويتها، وهو ما ينصح بأن تكتشف أقدام الزائرين عبر جولتها سيرا على الأقدام. لنبدأ بساحة 9 يوليوز التي نقش اسمها بأناقة على لوحات معدنية تُزين فضاءات المدينة العامة. هنا، حيث تلتقي الثقافات والأديان في حوار مستمر منذ ما يقارب القرن، تواجه كنيسة سان لويس دانجو ومسجد فاطمة أم البنين بعضهما عبر ساحة واسعة، فتتشكل لوحة إنسانية راقية أطلق عليها السكان اسم "ساحة التسامح". ومن علو السماء، يتصافح برج الجرس والمنارة في سماء وجدة، التي لم تبخل على تنوعها الديني بجهد ترميم شامل لكل معابدها وبناياتها الدينية.


La cathédrale Saint Louis d’Anjou, située sur la Place du 9 juillet, à Oujda. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskكنيسة سان لوي دانجو، تتربع على ساحة 9 يوليوز بوجدة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك
Réminiscence du passé colonial, la cathédrale Saint Louis d’Anjou est aussi un symbole de la tolérance d’une ville pieuse. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskمن بقايا الذاكرة الاستعمارية، تحولت كنيسة سان لوي إلى رمز للتسامح في مدينة مشبعة بالإيمان. تصوير: أسامة غالب / لوديسك



لزيارة الأصول الأقدم، نتوجه نحو المدينة العتيقة، هذا التراث المفتوح الذي لا يقل شأنه عن تلك المدن الإمبراطورية. شارع مراكش، من أكثر شوارع المدينة حيوية، ينقلك من صخب المركز إلى أجواء تقليدية تحاكي عبق الزمن الماضي. ضيقات الشوارع وارتفاع المباني المنخفض، تشعرك أن أفق الصحراء قريب، وأن عمارة المدينة استلهمت تصاميمها من قلاع وحصون القصور ذات الأبراج المربعة، المميزة للمناطق الجافة في المغرب.


La mosquée Fatima Oum Al Banine et la cathédrale Saint Louis partagent le même parvis sur ce que les Oujdis appellent la « Place de la Tolérance ». Crédit : Oussama Rhaleb / Le Desk


في نهاية الشارع، تتجلى الهوية في مركز تجاري باسم سوق سيدي عبد الوهاب، الذي يتحول مع غروب الشمس إلى خلية نحل تنبض بالحياة من خلال عشرات الأبواب المقنطرة التي تحيط به. في أحد دكاكينه التقى بنا محمد، تاجر سبعيني متخصص في صناعة النعال التقليدية والمنتجات الجلدية. بحماس شبابي رغم تقدمه في السن، يروي لنا قصص المدينة ويترك لابنه إدارة الدكان، ليأخذنا بخطى واثقة في جولة عبر "ساحة جامع الفنا" الخاصة بوجدة. فبجانب شارع مولاي الحسن، تتناغم الساحة الواسعة مع دكاكينها الملونة، والجمهور المتحرك، وعروض الـ"حلقة" التي تجمع المتفرجين في دوائر، لتبدو كنسخة طبق الأصل من الساحة المراكشية الشهيرة. يتمنى محمد فقط عودة "العجوز"، الحكواتي المحلي الذي كان يُعتبر أعظم راوي قصص في المدينة.


تسمى الساحة باسم المسجد المجاور، الفضيلة، ذاك الصرح الذي دشن في 2013، والذي يحتفي بفن الحرف المغربية بأبهى صورة وبمساحات واسعة تكاد تعكس اتساع الساحة نفسها. في الجانب الغربي، يتزاحم الناس في باب عظيم هو المدخل الرئيسي لسوق المدينة القديمة، باب سيدي عبد الوهاب، الذي تفوح منه روائح التوابل، لكن أول ما يسر الأنف روائح التمر المحلي، أحد أشهر منتجات المنطقة.


Bab Sidi Abdelwahab, monument patrimonial et porte d’entrée au grand souk d’Oujda. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskباب سيدي عبد الوهاب، معلمة تراثية وبوابة كبرى نحو السوق العتيق لوجدة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


التجول في السوق يعكس تنوعا هائلا في البضائع، حيث يستغل محمد فرصة التسوق، بينما نتسلل عبر مخرج سري، لا يعرفه إلا أهل المدينة، لنخرج من أسوار المدينة. على طول شارع المغرب العربي، الذي يلتقي بجدار المدينة القديم، يصاحبنا مسجد علي بن أبي طالب، إلى أن نصل إلى منتزه للا مريم الذي افتتحته الأميرة حاملة اسمه عام 2007. هنا، حدائق غنَّاء، وأشجار موزعة بعناية، ونافورة وسطية، وأروقة ممتدة بأشجار الفيكس، وبيت زجاج كبير، كلها تدعو إلى نزهة منعشة وسط قلب المدينة المكتظ.

L’entrée du parc Lalla Meryem, à Oujda, sanctuaire vert au milieu de la dense médina. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskمدخل حديقة للا مريم، الملاذ الأخضر في قلب المدينة القديمة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك
Le parc Lalla Meryem, à Oujda, profite d’une décoration traditionnelle soignée. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskحديقة للا مريم، بزخرفتها المغربية الأصيلة، تمنح المدينة لحظة تنفس وبهاء. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


مقابل مدخل المنتزه، لا تغفل عن زيارة متحف دار السبتي، ذاك القصر الذي يروي ألف ليلة وليلة، والمكرس لفن الطرب الغرناطي، فخر الثقافة الشرقية. عرضٌ دائم يكشف أسرارا عميقة وأبطال الماضي، والمتحف مفتوح للزوار مجانا، حيث تتأمل أناقة الفن الأندلسي، وزليجه الرقيق، وباحته الواسعة، ونقوش خشبه البديعة.


La cour intérieure de Dar Sebti, ancienne demeure d’une riche famille d’Oujda, aujourd’hui transformée en musée ouvert au public. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskفناء دار السبتي الداخلي، التي كانت في ما مضى سكنا لعائلة وجدية ميسورة، وتحولت اليوم إلى متحف مفتوح للزوار. تصوير: أسامة غالب / لوديسك
Les arts décoratifs typiques de la région de l’Oriental tapissent chaque recoin de Dar Sebti. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Desk كل زاوية من زوايا دار السبتي تزهو بزخارف فنية من عمق التراث الشرقي. تصوير: أسامة غالب / لوديسك
Dar Sebti est surtout un musée dédié à l’art de la musique "gharnatie”. Crédit: Oussama Rhaleb / Le Desk’


عند نهاية المنتزه، نحو الغرب، يقف باب الغربي شامخا كرمز للمدينة، فاتحا على ساحة تحمل اسمه، وما زال يمثل معلما جغرافيا لا يمكن تجاوزه. وتمتد المدينة القديمة لوجدة خلف أسوارها، لتكشف عن العديد من المدارس العلمية، والخزانة الشهيرة الشريف الإدريسي، المدرجة ضمن التراث الوطني، وتزدان بالعديد من المساجد التي يفوق عددها الأربعمائة.


La ville d’Oujda entre dans les cœurs de ses visiteurs. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Desk وجدة... مدينة تسكن قلوب زوارها. تصوير: أسامة غالب / لوديسك
L’ancienne gare ferroviaire d’Oujda, qui confirme le statut avant-gardiste de la ville durant le Protectorat. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskمحطة قطار وجدة القديمة، إحدى العلامات التي تؤرخ لروح الريادة والانفتاح زمن الحماية. تصوير: أسامة غالب / لوديسك


هذا العدد الكبير من المساجد ليس مجرد رقم، بل هو شاهد على حكمة المدينة، وإشعاعها، وترسخها في الحضارة والتاريخ. كما تستفيد وجدة اليوم من زخم التنمية الشامل الذي يشمل المنطقة بأكملها، لتظل أرضا للفخر والكرم، وأسطورة للسياحة الثقافية، تدعو الزائرين إلى جولات لا تنتهي، تغمرهم بعبق "السعادة" تلك الهالة النابعة من الشرق المغربي الأصيل.

©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.

Par
En partenariat avec ONMT