توزيع الأدوية.. مجلس المنافسة يقدم توصياته
قدم مجلس المنافسة رسميا، خلال لقاء صحفي، الخطوط العريضة لرأيه المتعلق بسوق توزيع الأدوية في المغرب. ويؤكد هذا التقرير، الذي كان "لوديسك" قد كشف تفاصيله حصريا، مجمل التوجهات التي سبق عرضها، بدءا من إعادة هيكلة حلقة التوزيع بالجملة، مرورا بتحويل نموذج عمل صيدليات القرب، وصولا إلى فتح رأسمال الصيدليات بشكل مُؤطَر أمام مستثمرين من غير الصيادلة.
وقد جرى إعداد هذا الرأي منذ مارس 2025، استنادا إلى سلسلة من جلسات الاستماع شملت مختلف الفاعلين في سلسلة الدواء، من مؤسسات وهيئات مهنية وهيئات تنظيمية، إضافة إلى الفاعلين الاقتصاديين والنقابات وجمعيات حماية المستهلك. كما يستند التقرير إلى مقارنة دولية موسعة شملت عشر دول (مقابل سبع دول في النسخة الأولية)، وإلى تشخيص مفصل للحلقتين الأساسيتين في منظومة التوزيع : التوزيع بالجملة والصيدليات.
قطاع بقيمة 25.9 مليار درهم يبحث عن الاستدامة
يبلغ حجم سوق الأدوية في المغرب 25.9 مليار درهم من رقم المعاملات خلال سنة 2024، منها 13.5 مليار درهم تخص حلقة الصيدليات. ويضم القطاع 56 مؤسسة صناعية دوائية، و66 شركة لتوزيع الأدوية بالجملة، إضافة إلى 14.134 صيدلية. وتصل قيمة الواردات إلى 10,6 مليار درهم، مقابل 1.9 مليار درهم فقط للصادرات. ومن بين نحو 7.500 دواء حاصل على ترخيص التسويق، تمثل الأدوية الجنيسة 70 في المائة، مقابل 29 في المائة للأدوية الأصلية و1 في المائة للأدوية الحيوية المماثلة.
على مستوى الطلب، يستفيد حاليا 27.8 مليون مغربي من التأمين الإجباري عن المرض (AMO)، عبر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي، مع نفقات على الأدوية بلغت 11.86 مليار درهم. كما ارتفع متوسط الاستهلاك الصيدلاني الخاص للفرد من 476 درهما سنة 2020 إلى 642 درهما سنة 2024، وهو تطور ملحوظ، لكنه يظل بعيدا جدا عن المستويات المسجلة في الدول المرجعية ضمن المقارنة الدولية : حوالي 17 ألف درهم في الولايات المتحدة، و8 آلاف درهم في ألمانيا، و6500 درهم في المملكة المتحدة، و5500 درهم في فرنسا.
ويعتمد نظام تحديد أسعار الأدوية على معادلة تنظيمية تقوم على : سعر البيع للعموم = السعر المصنع خارج الضريبة + هامش الموزع بالجملة + هامش الصيدلي. وبالنسبة للأدوية ضمن الشريحة الأولى (T1)، التي لا يتجاوز سعرها المصنع خارج الضريبة 166 درهما، وتمثل نحو 99 في المائة من حجم المبيعات و80 في المائة من قيمتها، يبلغ هامش الموزع بالجملة 11 في المائة، بينما يصل هامش الصيدلي إلى 57 في المائة. أما بالنسبة للأدوية ذات الأسعار الأعلى (الشريحتان T3 وT4)، فتتقلص الهوامش لتصبح في حدود مبلغ جزافي يتراوح بين 300 و400 درهم للصيدلي، مقابل 2 في المائة فقط للموزع بالجملة.
التوزيع بالجملة.. نموذج اقتصادي هش
يسجل مجلس المنافسة تشخيصا صارما بشأن حلقة التوزيع بالجملة. إذ تعرف الربحية المالية لدى مؤسسات توزيع الأدوية بالجملة انخفاضا مستمرا؛ فقد تراجع معدل صافي الربح مقارنة برقم المعاملات من 1.3 في المائة سنة 2016 إلى 0.9 في المائة سنة 2024، وذلك رغم ارتفاع رقم المعاملات الإجمالي الذي بلغ 16.26 مليار درهم سنة 2024، مقابل 9.68 مليار درهم قبل ثماني سنوات.
ويُعزى هذا الاختلال إلى ثلاثة عوامل بنيوية رئيسية. أولها نظام التعويض القائم حصريا على هامش مرتبط بسعر الدواء، وهو هامش يتقلص تلقائيا مع تخفيض الأسعار الذي تقرره السلطات العمومية. وتتراوح هوامش الموزعين بالجملة في المغرب بين 2 في المائة و11 في المائة حسب الشريحة السعرية، لكنها تظل غير مرتبطة بالتكاليف الحقيقية (الوقود، الأجور، اللوجستيك)، في سياق ارتفعت فيه النفقات بنسبة 36 في المائة بين سنتي 2020 و2024. وعلى سبيل المقارنة، يستفيد موزعو الأدوية بالجملة في فرنسا من هامش يبلغ 6.93 في المائة مرفوقا بتعويضات جزافية محددة، بينما يحصل نظراؤهم في بلجيكا على هامش يتراوح بين 13 في المائة و15 في المائة إضافة إلى تعويض جزافي عن كل وحدة.
العامل الثاني يتمثل في الكلفة المرتفعة لتجميد المخزون، إذ يخضع الموزعون لالتزام تنظيمي يقضي بالاحتفاظ بمخزون احتياطي يعادل شهرا من مبيعات السنة السابقة، ويغطي 80 في المائة من الأدوية المرخصة، مع مدة متوسطة لدوران المخزون تبلغ شهرين وعشرة أيام.
أما العامل الثالث فيتعلق بعدم التوازن البنيوي في آجال الأداء، حيث تبلغ في المعاملات الصاعدة (بين المؤسسات الصناعية والموزعين بالجملة) 81 يوما، مقابل 97 يوما في المعاملات اللاحقة (بين الموزعين والصيدليات). ويرجع ذلك إلى أن قانون آجال الأداء يطبق على الموزعين بالجملة دون أن يشمل الصيادلة، في حين أن 90 في المائة من الصيدليات لا يتجاوز رقم معاملاتها السنوي مليوني درهم.
صيدليات القرب.. حلقة "بلغت حد الإنهاك"
يقدم مجلس المنافسة تشخيصا حاسما بشأن شبكة الصيدليات. فقد ارتفع عدد الصيدليات من 9185 صيدلية سنة 2015 إلى 14.134 صيدلية سنة 2024، أي بزيادة بلغت 54 في المائة خلال تسع سنوات، في حين لم يزد عدد السكان سوى بنسبة 8 في المائة. وبذلك أصبح المعدل صيدلية واحدة لكل 2600 نسمة، أي ضعف التوصية التي تقترحها منظمة الصحة العالمية (صيدلية لكل 5000 نسمة). كما أن الكثافة الصيدلية في المغرب، التي تبلغ 38.4 صيدلية لكل 100 ألف نسمة، تفوق متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (29)، وتعد من بين الأعلى ضمن الدول المشمولة بالمقارنة الدولية.
ويرتبط هذا التطور مباشرة بالارتفاع الكبير في عدد خريجي الصيدلة؛ إذ بلغ عددهم 910 خريجين سنة 2024 مقابل 297 سنة 2016، أي بزيادة تصل إلى 206 في المائة، من بينهم 60 في المائة تخرجوا من مؤسسات أجنبية. ويبلغ معامل الارتباط الإحصائي بين إحداث الصيدليات وعدد الخريجين الجدد 0.91، ما يؤكد أن فتح صيدلية أصبح المسار شبه التلقائي للاندماج المهني. ويستأثر محور الدار البيضاء-سطات/الرباط-سلا-القنيطرة وحده بنسبة 45 في المائة من مجموع الصيدليات.
وقد أفرزت هذه الكثافة المفرطة مفارقة في الولوج : فشبكة جغرافية واسعة الانتشار تتعايش مع قيود تنظيمية صارمة (ساعات العمل ونظام المداومة)، ما يحد من الولوج الفعلي إلى الدواء. وقد تراجع متوسط رقم المعاملات لكل صيدلية إلى نحو 950 ألف درهم (مقابل 1.1 مليون درهم سنة 2016)، بينما لا يتجاوز متوسط الدخل المهني 85 ألف درهم سنويا. كما انخفض معدل الربحية (الدخل المهني مقارنة برقم المعاملات) من 10.3 في المائة سنة 2016 إلى 8.9 في المائة سنة 2024. ويتميز السوق بقدر كبير من التفاوت : إذ تحقق 70 في المائة من الصيدليات رقم معاملات سنويا يقل عن 1.2 مليون درهم، بينما تتراوح مداخيل 20 في المائة منها بين 1.2 و2.5 مليون درهم، في حين لا تتجاوز نسبة الصيدليات التي تفوق مداخيلها 2.5 مليون درهم سوى 10 في المائة. ووفقا للمهنيين، فإن نحو 4000 صيدلية باتت مهددة بالإفلاس.
كما يشير المجلس إلى قيود بنيوية أخرى، من بينها غياب حق الاستبدال، الذي يحد من مرونة صرف الأدوية ومن تحسين تدبير المخزون؛ إضافة إلى تجاوز شبكة الصيدليات عبر ممارسات صرف الأدوية داخل المصحات الخاصة، التي تستقطب طلبات خارج القنوات المنظمة. كما يبرز التقرير طبيعة البنية التنظيمية للقطاع، التي يغلب عليها الاستغلال في إطار شخصي، حيث يجمع الصيدلي بين أدوار المسير الإداري والمدير المالي والموزع، في ظل محدودية الولوج إلى التمويل وضعف الإقبال على الاستثمار.
المقارنة الدولية : دروس من عشرة بلدان
أجرى مجلس المنافسة دراسة مقارنة شملت كلا من فرنسا وبلجيكا وألمانيا وإيطاليا والبرتغال والمملكة المتحدة والولايات المتحدة وتونس ومصر والمملكة العربية السعودية. وقد أفرزت هذه المقارنة ثلاث توجهات رئيسية.
أولا، تزايد أهمية الخدمات الصيدلية في بنية مداخيل الصيدليات. ففي عدد من البلدان المشمولة بالمقارنة، أصبحت أتعاب صرف الدواء، وخدمات التلقيح، والمتابعة العلاجية، والفحوصات الاستباقية تمثل ما بين 20 في المائة و40 في المائة من مداخيل الصيدليات. ويعد التحول من نموذج يعتمد أساسا على الهامش المرتبط بسعر الدواء إلى نموذج يثمن العمل الصيدلي نفسه خيارا ذا أهمية خاصة بالنسبة للمغرب، حيث إن متوسط الاستهلاك البالغ 640 درهما للفرد لا يكفي لتوليد هوامش ربح مستدامة اعتمادا على بيع الأدوية فقط.
ثانيا، التوجه نحو هيكلة شبكة الصيدليات في شكل شبكات أو تجمعات. ففي البلدان التي شملتها الدراسة، تتراوح نسبة الصيدليات المنضوية ضمن هياكل جماعية بين 30 في المائة و60 في المائة، سواء تعلق الأمر بسلاسل قائمة على الاستثمار الرأسمالي، أو بشبكات تعاونية، أو بنماذج هجينة تجمع بين أكثر من صيغة تنظيمية. وقد اختارت نسبة معتبرة من الصيدليات في بعض الدول العمل تحت علامة تجارية مشتركة أو ضمن مفهوم شبكة موحدة.
ثالثا، تطور الصيدليات نحو فضاءات صحية موسعة تجمع بين صرف الأدوية وتقديم مجموعة متنوعة من المنتجات الصحية، مثل الأجهزة الطبية، ومستحضرات التجميل، والمكملات الغذائية، ومنتجات رعاية الأطفال. ويعتمد هذا النموذج على فضاءات تجارية أكبر حجما واستثمارات مالية مهمة، وهو ما لا تسمح به في الغالب الوضعية المالية الحالية لمعظم الصيدليات في المغرب.
ويتميز المغرب أيضا بكونه يسجل أدنى معدل لعدد الصيادلة داخل الصيدلية الواحدة مقارنة بالدول المشمولة بالمقارنة؛ إذ يعمل في المتوسط صيدلي واحد فقط في كل صيدلية، في حين يبلغ المعدل في دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نحو ثلاثة صيادلة لكل صيدلية، ويرتفع في بعض الدول الأوروبية إلى مستويات أعلى. ويُعد هذا النقص في الموارد البشرية عائقا أمام توسيع ساعات العمل وتنويع الخدمات الصيدلية.
توصيات خاصة بالتوزيع بالجملة
في ضوء المعطيات التي تُظهر أن نموذج التعويض الحالي، القائم على نظام تنظيمي يعتمد على الهوامش المرتبطة بسعر الدواء، يتقلص تلقائيا مع انخفاض الأسعار، يوصي مجلس المنافسة بمراجعة طريقة تعويض موزعي الأدوية بالجملة. ويقترح اعتماد نظام مختلط يجمع بين هامش مرتبط بالسعر المصنع خارج الضريبة، وتعويض جزافي ثابت عن كل وحدة، إضافة إلى تعويض إضافي خاص بالأدوية التي تتطلب شروط تخزين محددة، خصوصا تلك التي تستوجب احترام سلسلة التبريد. كما يدعو الرأي إلى إعادة تقييم الهوامش المطبقة على الأدوية مرتفعة الثمن ضمن الشريحتين T3 وT4، حيث لا يتجاوز هامش الموزعين بالجملة حاليا 2 في المائة.
وفي ما يتعلق بالعلاقات التجارية داخل سلسلة التوزيع، يسجل المجلس وجود ترابط مالي قوي وضغوط غير متكافئة تقع أساسا على عاتق الموزعين بالجملة. ولذلك يوصي بإرساء إطار تنظيمي أكثر عدالة لآجال الأداء، من خلال توسيع نطاق تطبيق القانون رقم 69-21 ليشمل الصيدليات التي يقل رقم معاملاتها السنوي عن مليوني درهم، بهدف تصحيح الاختلال القائم حاليا في آجال السداد بين مختلف الفاعلين في القطاع.
توصيات خاصة بالتوزيع بالتقسيط : نحو إعادة صياغة نموذج الصيدليات
يعتبر محور التوزيع بالتقسيط الأكثر تفصيلا في رأي مجلس المنافسة، كما أنه الأكثر قابلية لإثارة النقاش. وتتمحور التوصيات حول ستة محاور رئيسية.
نموذج جديد للتعويض قائم على الفعل الصيدلي
انطلاقا من ملاحظة أن النموذج القائم حصريا على الهامش المرتبط بسعر الدواء يضعف استدامة الصيدليات، يوصي المجلس بإرساء نظام جديد يقوم على ركيزتين أساسيتين : أولا، تعويض وتثمين الفعل الصيدلي نفسه، من خلال أتعاب صرف الأدوية والتعويضات الجزافية؛ وثانيا، إدماج مهام جديدة للصيادلة في مجال الصحة العمومية قابلة للتعويض، مثل متابعة المرضى المصابين بأمراض مزمنة وخدمات التلقيح، بما يساهم في تحسين تدبير العلاجات وترشيد نفقات التعويض لدى صناديق التأمين الصحي.
إقرار حق الاستبدال
نظرا لغياب حق الاستبدال حاليا، وهو ما يضعف القدرة على تدبير حالات انقطاع الأدوية ويزيد من أعباء التخزين، يوصي المجلس بإقرار حق الاستبدال الصيدلي بشكل تدريجي وتحت شروط محددة. ويرتبط هذا الإصلاح بإعداد مرجع وطني للأدوية الجنيسة يحدد التكافؤات العلاجية، وتشجيع الأطباء على اعتماد التسمية الدولية الموحدة للدواء إلى جانب الاسم التجاري في الوصفات الطبية، إضافة إلى تعزيز برامج التكوين وحملات التوعية لفائدة الأدوية الجنيسة.
معايير جديدة للتوزيع المجالي للصيدليات
في ظل كثافة الصيدليات التي تفوق توصيات منظمة الصحة العالمية، وما يترتب عن ذلك من اختلالات اقتصادية ومجالية، يقترح المجلس اعتماد معايير جديدة لإحداث الصيدليات تأخذ بعين الاعتبار عوامل ديمغرافية وجغرافية، مثل مساحة منطقة الاستقطاب التجاري، والكثافة السكانية للجماعة، وزمن التنقل أو المسافة إلى أقرب صيدلية. كما يوصي بتليين نظام ساعات العمل بشكل مؤطر، بهدف تحسين الولوج المستمر إلى الأدوية وتعزيز مردودية الصيدليات. وفي المقابل، يستبعد المجلس اعتماد نظام حصص صارم (numerus clausus) لعدد الصيدليات، معتبرا أنه غير ملائم في سياق يتسم بارتفاع الطلب ووجود عدد كبير من الصيادلة المتخرجين بالفعل.
تنظيم صرف الأدوية داخل المصحات
يوصي المجلس بتعزيز تنظيم توزيع الأدوية عبر تأطير صارم لعملية صرفها داخل المصحات الخاصة، بحيث تقتصر على حالات الطوارئ والمرضى الذين يتلقون العلاج داخل المؤسسة الصحية، مع فرض استخدام عبوات مخصصة للاستعمال الاستشفائي. وتهدف هذه الخطوة إلى وضع حد للممارسات التي تتجاوز شبكة الصيدليات النظامية وتؤثر على توازنها الاقتصادي.
آلية وطنية للدعم المالي
في مواجهة محدودية الولوج إلى التمويل التي تعرقل تحديث الصيدليات، يقترح المجلس إحداث صندوق ضمان بشراكة بين القطاعين العام والخاص، لدعم إنشاء صيدليات جديدة في المناطق التي تعاني نقصا في التغطية، وتسهيل عمليات شراء أو نقل ملكية الصيدليات القائمة، في إطار ما يمكن اعتباره "خدمة صيدلية ذات طابع شامل". كما يوصي بإرساء آليات للتمويل المسبق تتيح للفاعلين الحصول على تسبيقات على مستحقاتهم المرتبطة بالتأمين الإجباري عن المرض عبر مؤسسات مالية.
إعادة هيكلة النسيج الصيدلي وفتح رأس المال بشكل مؤطر
تعد هذه التوصية الأكثر حساسية من الناحية السياسية، وهي أيضا الأكثر إثارة للجدل. إذ يشير المجلس إلى أن النموذج الحالي للصيدليات يواجه ضغوطا متزايدة تتطلب تحولا هيكليا. وتُظهر المؤشرات المالية تزايد الهشاشة الاقتصادية للقطاع، في ظل دخول نحو ألف خريج جديد من كليات الصيدلة إلى سوق العمل سنويا. ويرى المجلس أن الحلول التقليدية لها حدود واضحة : ففرض حصص على التكوين لن يحسن الوضع في ظل العدد الكبير من الطلبة الموجودين بالفعل في مسار التكوين، كما أن رفع هامش ربح الصيدليات، الذي يبلغ أصلا نحو 57 في المائة من سعر الدواء، لا ينسجم مع سياسة الدولة الرامية إلى خفض أسعار الأدوية.
وعليه، يقترح المجلس مقاربة أشمل تقوم على إعادة هيكلة تدريجية ومؤطرة للنسيج الصيدلي، ترتكز على تنويع مصادر الدخل، سواء عبر الهوامش أو الأفعال الصيدلية أو توسيع عرض المنتجات الصحية. غير أن الانتقال إلى نموذج صيدلية موسع يتطلب مساحات تجارية أكبر واستثمارات مالية مهمة، في وقت تحد فيه الوضعية المالية الحالية للصيدليات من قدرتها على الاستثمار. لذلك يخلص المجلس إلى أن فتح رأس المال أمام استثمارات خاصة بشكل مؤطر قد يشكل رافعة لدعم تحول القطاع الصيدلي وتحديثه.
وعمليا، يوصي المجلس بتنفيذ هذه الهيكلة وفق أربعة مبادئ أساسية : إدراج إعادة تنظيم شبكة الصيدليات ضمن النقاش العمومي باعتبارها مدخلًا لتحسين الاستدامة الاقتصادية؛ تنفيذ الإصلاح بشكل تدريجي عبر تكييف الإطار القانوني والتنظيمي؛ الإشراف على هذا الورش من طرف الجهة الوصية وفق مقاربة تطورية مع تقييمات دورية للأثر؛ وتشجيع بروز أشكال جديدة من التعاون والتنظيم داخل شبكة الصيدليات، سواء عبر شراكات رأسمالية أو من خلال تقاسم الخدمات والموارد.
الضوابط المقترحة لتأطير فتح رأس المال
استباقا للانتقادات المحتملة من طرف مهنيي القطاع، يوضح مجلس المنافسة في خلاصاته مجموعة من آليات التنظيم التي ينبغي اعتمادها لمواكبة أي إعادة هيكلة رأسمالية. ويأتي في مقدمة هذه الضوابط الحفاظ على الاستقلالية المهنية للصيدلي، من خلال تعزيز الاعتراف القانوني به كسلطة صحية مستقلة، مع توفير حماية صريحة ضد أي تدخل اقتصادي قد يؤثر في الفعل الصيدلي. ويستحضر المجلس في هذا السياق سابقة فتح رأسمال المصحات الخاصة بشكل مؤطر في المغرب بموجب القانون رقم 131-13.
ولتفادي مخاطر التركيز الاقتصادي وتضارب المصالح، يوصي المجلس بجملة من التدابير، من بينها تحديد سقف لعدد الصيدليات التي يمكن أن يمتلكها نفس الفاعل، كما هو الحال في البرتغال حيث لا يمكن أن يتجاوز العدد أربع صيدليات؛ وإقرار حدود مجالية للتمركز، على غرار النموذج الإيطالي الذي يمنع أي مجموعة من السيطرة على أكثر من 20 في المائة من صيدليات جهة معينة؛ إضافة إلى منع امتلاك الصيدليات من قبل الصناعيين أو الأطباء الواصفين للأدوية أو المصحات أو مجموعات الصحة أو شركات التأمين أو أي فاعل اقتصادي ذي نفوذ كبير، مع استثناء موزعي الأدوية بالجملة. كما يقترح إدراج عتبات خاصة لمراقبة عمليات التركيز الاقتصادي داخل القطاع.
كما يدعو المجلس إلى حماية الصيدليات المستقلة في إطار شبكة صيدلية هجينة، عبر تشجيع أشكال التعاون بين الصيادلة، مثل إنشاء تجمعات مهنية، وتنسيق عمليات الشراء، واعتماد الحلول الرقمية، وتقاسم الخدمات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلاليتهم المهنية. ويقترح كذلك وضع آليات دعم موجهة لفائدة الصيدليات الموجودة في المناطق القروية أو التي تعاني نقصا في التغطية الصيدلية.
ما الذي يغيره هذا الرأي في النقاش الدائر؟
مع اقتراب نشر هذا الرأي، ينتقل مجلس المنافسة من مرحلة التشاور إلى مرحلة إصدار التوصيات الرسمية. فالوثيقة، التي اطلع عليها موقع "لوديسك" في نسختها التقديمية الرسمية، تؤكد بالكامل ما ورد في المسودة الأولية، مع إدخال تعديلات طفيفة فقط، سواء في ما يتعلق بتشخيص هشاشة حلقة الصيدليات، أو بضرورة إصلاح نظام التعويض، أو بإمكانية فتح رأس المال بشكل مؤطر، إلى جانب الضوابط المقترحة لمواكبة هذا التحول.
وتبرز المقارنة الدولية التي أوردها المجلس بوضوح الحاجة إلى تطوير نموذج الصيدليات المعتمد في المغرب. غير أن هذا الرأي لا يحمل قوة إلزامية قانونية، إذ يبقى القرار النهائي بيد الحكومة التي ستحدد ما إذا كانت ستدمج هذه التوصيات ضمن الإصلاح الجاري لمنظومة الصحة. وفي حال عدم اعتمادها، يتعين على السلطة التنفيذية، وفقا للقانون، تبرير أسباب ذلك.
وفي انتظار الحسم السياسي، يبدو أن مهنيي القطاع ما زالوا في حالة رفض واضح؛ إذ عبر الأطباء الخواص وأطباء الأسنان عن تضامنهم مع الصيادلة، بينما يُتداول بشكل متكرر الحديث عن تنظيم إضرابات وطنية تصاعدية. وبذلك، يبدو أن النقاش حول مستقبل قطاع الصيدلة في المغرب مرشح للاستمرار خلال الفترة المقبلة.
اقرأ أيضا تحقيقاتنا السابقة :
توزيع الأدوية.. حدود النموذج بالأرقام كما يعرضها مجلس المنافسة
فتح رأسمال الصيدليات.. المزايا والضوابط كما يوضحها مجلس المنافسة
©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.

