S'abonner
Se connecter
logo du site ledesk
العربية

سياحةمكناس ونواحيها.. مدن محفورة بأحرف التاريخ

14.04.2026 à 11 H 22 • Mis à jour le 14.04.2026 à 11 H 22
Par Sami Lakmahri
La porte du Palais royal de Meknès, entièrement restaurée. Les faïences colorées et la façade sculptée sont désormais telles qu’elles l'étaient à l’époque de Moulay Ismaïl. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Desk
تتقاسم كل من مدينة مكناس، والزاوية المباركة لمولاي إدريس زرهون، وأطلال وليلي المجيدة، رقعة جغرافية واحدة، كما تتشارك في إرث تاريخي زاخر بالهيبة والمجد. وليس في هذا التقارب الجغرافي مصادفة، بل هو انعكاس لدور هذه الربوع كمهد للسلطة في فترات مختلفة من التاريخ. مرحبا بك في أرض العواصم.

الأسوار، شامخة كانت أم واهنة، متهالكة أحيانا أو مرممة في أحيان أخرى، تشكل عنصرا ثابتا في مشهد مكناس. كيلومترات طويلة من الجدران الدفاعية تحيط بمدينة عظيمة، لا تكتفي بفخامتها، بل تتيقظ دوما للدفاع عن نفسها، حتى لتبدو في بعض ملامحها شبه مرتابة. خلال عصرها الذهبي، لم يكن من المبالغة أن تُلقب مكناس بـ"فرساي المغرب"، تشبيها لم يُطلق عبثا. وإن كانت اليوم تفتقر إلى قاعة المرايا الباذخة، فإنها لا تزال تحتفظ بوقار آثار ملك متألق، نافس في عظمته ملك الشمس الفرنسي. أليس هو السلطان مولاي إسماعيل (1672-1727) من خطب ود الأميرة دو كونتي، ابنة الملك لويس الرابع عشر، إحدى أبرز فتيات البلاط الفرنسي آنذاك؟ إنها واحدة من مبادرات كثيرة، تجسد طموح أحد أعظم ملوك المغرب، والذي شاد عاصمة تليق بمقامه، لضمان ديمومة حكم استمر لأكثر من خمسة عقود. وهكذا، تبدو مكناس صورة عن مؤسسها : مدينة إمبراطورية، فخمة، منظَّمة، ومحصنة لا نظير لها في زمانها.


على بعد نحو عشرين دقيقة فقط، شمال مكناس على الطريق الوطنية رقم 13، تنتصب بلدة أخرى ذات مكانة مركزية، لكن من طينة مختلفة : مدينة روحية أكثر منها عسكرية. زرهون، الواقعة على سفح جبل يحمل الاسم ذاته، تعد من أقدس المواقع في المغرب، إذ يُقال إن مولاي إدريس الأول (788-791)، أول حاكم مسلم للمغرب، يرقد في تربتها الطاهرة. هنا بدأت قصة المغرب الحديث، منذ ما يزيد عن 1200 عام. فهذه البلدة الصغيرة، التي لا يتجاوز عدد سكانها عشرة آلاف نسمة، إنما قامت في الأصل حول ضريح هذا القائد الاستثنائي، سليل بيت النبوة، حفيد علي وفاطمة، ابنة الرسول.


Vue d'ensemble de la petite ville de Moulay Driss Zerhoun. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskمنظر بانورامي للمدينة الصغيرة مولاي إدريس زرهون، المتربعة على عرش الجبل في سكينة الأولياء. تصوير أسامة غالب / لوديسك


هربا من الاضطهاد في موطنه بالمشرق، وجد مولاي إدريس الأول في هذه الأرض ملاذا آمنا، بل وأكثر من ذلك : وجد فيها مناخا يؤهله لبناء أول كيان سياسي مسلم في أقصى غرب العالم المعروف آنذاك، في بلاد المغرب، التي تعني لغويا "مكان الغروب". ومنه انحدرت السلالة الشريفة التي حكمت المغرب عبر قرونه الطويلة. فما الذي وجده في هذه المنطقة كي يختارها مُنطلقا لدولته؟


الجواب : أطلال شاسعة، تمتد حتى الأفق. فغير بعيد، وعلى بعد أربعة كيلومترات فقط من ضريحه، تتربع المدينة الرومانية الأبهى في موريطانيا الطنجية : وليلي. على مساحة تزيد عن 42 هكتارا، وفي قلب سهل خصيب تحيط به روافد وادي "خمان"، تكشف وليلي عن وجه الإمبراطورية الرومانية في أبهى تجلياتها. لقد كانت واحدة من أكثر مدن العصور القديمة تنظيما وتحضرا، خصوصا في أوج ازدهارها ما بين القرن الثاني قبل الميلاد والقرن الثاني الميلادي. آثارها الباقية –من المنتدى والحمامات وقوس النصر وقصر الحاكم، إلى الفيلات المزينة بالفسيفساء– لا تزال شاهدة على مجد خلَّد المكان والزمان. حتى بعد رحيل الرومان في القرن الثالث، ظلت بنيتها قائمة، لتصبح لاحقا قاعدة للقبيلة الأمازيغية القوية "أوربة"، التي احتضنت مولاي إدريس في نهاية القرن الثامن الميلادي. وبعد قرابة ألف عام، قام السلطان مولاي إسماعيل، سيد مكناس، ببناء الضريح الذي لا يزال شامخا إلى اليوم. وهكذا تكتمل الدائرة.


مكناس الإمبراطورية، المدينة-القلعة

لم تنتظر مكناس قدوم سلطانها كي تولد، لكنها تدين له بمكانتها كعاصمة إمبراطورية، وهو شرف لا تناله سوى ثلاث مدن أخرى في المغرب : مراكش، فاس، والرباط. ومن هذا المنطلق، فإن مكناس تستحق حيزا لا يقل عن نظيراتها في ذاكرة العرش والسلطة. يسهل الوصول إليها عبر الطريق السيار أو مطار فاس-سايس، مطار غريمتها الأبدية، إلا أن بهاءها يباغتك قبل أن تطأ قلبها أو تلمح معالمها.


في تخومها الحديثة، تتزين أطراف مكناس بمساحات خضراء شاسعة، تذكر بأن هذه الربوع من أكثر مناطق المغرب خصوبة وغنى بالمياه، بفضل الشبكة الواسعة من المجاري والأنهار التي تخترق سهل سايس. ولطالما شكلت هذه الوفرة عنصرا أساسيا في جذب البشر والاستقرار. ويؤكد المؤرخ وأستاذ التاريخ بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس، عبد المالك الناصيري، أن الموقع الحالي للمدينة "لم يكن مركزا حضريا مهما، لكنه امتلك مؤهلات لتأسيس قاعدة عسكرية".


Bab Berdaine, porte massive de l’entrée nord de la médina de Meknès, embellie au-dessus de l’arc par une décoration en céramique. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskباب بردعين، بوابة شامخة تُزين المدخل الشمالي لمدينة مكناس العتيقة، تتوجها زخارف خزفية تعلو قوسها الحجري. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وقد أصبحت مكناس، التي يعود اسمها إلى استقرار فصيل من قبيلة مكناسة، القادمة من الشرق عبر ممر تازة، نقطة استراتيجية لا يمكن تجاوزها، خصوصا مع صعود الدول الصحراوية الكبرى خلال العصور الوسطى. ويشرح المؤرخ أن "موقعها الجغرافي عند مفترق طرق الأطلس المتوسط والريف، وفي صميم الطريق الرابطة بين سجلماسة وفاس، وبوابة للسهول الأطلسية والساحل المتوسطي، جعل من السيطرة عليها ضرورة سياسية وتجارية وعسكرية لا مفر منها".


وكان المرابطون (1040-1147) أول من وعى بهذه الأهمية، فأسسوا فيها نواة حضرية أولى، وقاعدة عسكرية سموها "تاركرات"، أي "المحلة" أو الحملة العسكرية، كما يوضح عبد المالك الناصري. وقد اختاروا لها باب بردعين، في قلب المدينة العتيقة، وهي غير الباب الضخم الذي سيُشيد لاحقا في عهد مولاي إسماعيل.


Dans la cité impériale, les ruelles de la médina sont plus larges qu’ailleurs au Maroc, pour les besoins de la circulation de la cavalerie du sultan. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskفي الحاضرة الإسماعيلية، تتسع أزقة المدينة القديمة لتفسح الطريق لخيالة السلطان، على غير عادة مدن المغرب الأخرى. تصوير أسامة غالب / لوديسك


لكن بعد عقود قليلة فقط، تعرضت المدينة لمجزرة أليمة على يد الموحدين، في حملة طمس دامية استهدفت كل أثر مرابطي. "حين وصلت طلائع جيوش الموحدين، كان هدفهم محو كل ما يمت بصلة للمرابطين : دمروا المنشآت، وهاجموا السكان الذين اعتبروهم موالين لخصومهم. وكان المشهد الأكثر بشاعة في سهل تاورة، القريب من المدينة العتيقة، والذي تحول اليوم إلى حديقة عمومية. هناك لجأ الهاربون إلى شجرة عظيمة، فأشعل الموحدون فيها النار"، يروي المؤرخ.


لكن الدينامية الموحدية لم تقتصر على العنف، بل شملت أيضا تخطيط المدينة. فقد أحيطت "تاركرات" الصغيرة بأسوار دفاعية أولى، شكلت نواة المدينة العتيقة الحالية. وقد تحتاج إلى ساعات لتطوافها، لكن اعلم أن معظم هذه الأسوار قد تعززت في عهد مولاي إسماعيل. أما إرث من سبقوهم، فيكاد يقتصر اليوم على المساجد القديمة، وأبرزها "المسجد الكبير"، الذي بناه الموحدون على أنقاض مسجد مرابطي، بحجة أن "القبلة لم تكن موجهة بشكل صحيح نحو مكة"، على حد قول المؤرخ.


لا تزال هذه المعلمة الدينية، التي تضم 164 قوسا، من أكثر أماكن العبادة ارتيادا في مكناس، وقد وسعها أيضا السلطان العلوي. وهي اليوم، إلى جانب مكتبتها العريقة التي يعود تاريخها لقرون، منارة للمعرفة الدينية في قلب المدينة العتيقة. فقد بدأت مكناس تبني سمعتها كمدينة عالمة مع بزوغ دولة المرينيين (1244-1465)، الذين طبعوا، بدورهم، النسيج العمراني للمدينة. يوضح المؤرخ : "المرينيون معروفون ببناء قصباتهم خارج الأسوار الأصلية. وفي مكناس، أنشأوا حيهم في ما يعرف اليوم بقصبة مولاي إسماعيل، التي تضم ضريحه وساحة للا عودة، أي مجمل حي دار الكبيرة، أو المدينة الإمبراطورية".


La mosquée Lalla Awda, parfait exemple de la métamorphose urbaine ismaélienne, modeste édifice à sa fondation en 1276, elle devient la mosquée royale du palais impérial du sultan alaouite à la fin du XVIIe siècle. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskمسجد لالة عودة، شاهد حي على التحول العمراني في عهد مولاي إسماعيل؛ تأسس متواضعا سنة 1276، ثم تحول إلى مسجد القصر الملكي في أواخر القرن السابع عشر. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وكما في باقي حواضر المغرب الشريف، يتجلى الإرث المريني في مكناس أساسا في المؤسسات العلمية، وعلى رأسها المدارس العتيقة. ولعل أشهرها "المدرسة البوعنانية"، التي تحمل اسم سلطانها الراعي أبو عنان فارس (1348-1358)، وقد تمّ إتمام بنائها في منتصف القرن الرابع عشر الميلادي. وإضافة إلى إطلالتها الخلابة على المدينة القديمة من سطحها، تعد هذه المدرسة تحفة فنية تجسد بامتياز عبقرية الصناع التقليديين المغاربة، وتأثير المهجَّرين من الأندلس الذين اعتمدت عليهم الدولة المرينية. فالزليج المتقن، والنقوش الجبسية، والزخارف الخشبية على أرز الأطلس، تكسو الأرضيات والجدران على حدّ سواء، شاهدة على رقي "المصممين" المبدعين في تلك الحقبة الذهبية.


المدرسة البوعنانية، ومدارس أخرى قريبة كالمدرسة الفيلالية، تمثل نموذجا للإشعاع الديني والعلمي الذي شهده المغرب آنذاك، لكنها بقيت، خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر، في ظل المدارس الفاسية التي كانت مركز النفوذ السياسي والديني بلا منازع. غير أن تولي مولاي إسماعيل الحكم سيقلب موازين القوة رأسا على عقب، بين المدينتين المتنافستين، اللتين لا تبعد إحداهما عن الأخرى سوى بستين كيلومترا.


La toiture finement ornée du mausolée de Moulay Ismaïl, patrimoine historique majeur de Meknès. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskسطح ضريح مولاي إسماعيل، بزخرفته المتقنة، يعد من أهم رموز التراث التاريخي لمكناس. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وتُطرح هنا تساؤلات مثيرة : لماذا اختار السلطان العلوي الثاني أن يجعل من مكناس عاصمة له، في حين أن فاس، عند اعتلائه العرش سنة 1672، كانت دون شك عاصمة الشرعية والسلطة؟ يعود عبد المالك الناصري إلى هذا الفصل الحاسم من تاريخ المدينة : "لم يكن مولاي إسماعيل غريبا عن سكان مكناس. ففي عهد أخيه مولاي رشيد (1667-1672)، عُيِّن ممثلا له في المدينة، وقد بنى لنفسه مسكنا داخل المدينة العتيقة. وعندما توفي السلطان إثر حادثة سقوط من على حصانه، اندلعت معركة عنيفة حول الخلافة".


ومثلما جرت العادة، كان على المرشح للعرش أن يحصل على "البيعة" من أعلى سلطة دينية في البلاد، والمتمثلة في مجلس العلماء بفاس. وقد تمكن الأمير إسماعيل، بصعوبة، من نيل تلك البيعة، غير أن الأمر لم يكن كافيا لتثبيت عرشه. "فقد دخل خصوم آخرون على الخط، من داخل أسرته ومن بين أعيان فاس، سعيا لزعزعة حكمه الفتي، مما دفعه، ولأسباب أمنية، إلى مغادرة العاصمة، دون الابتعاد كثيرا عنها"، يضيف المؤرخ.


لم تكن ثمة مدينة أخرى غير مكناس قادرة على تمكين السلطان الشاب من فرض سلطته، مع إبقاء عينه على العاصمة الشرعية حينها، فاس، تحسبا لأي اضطراب قد يصدر منها. ويؤكد المختصون أن ضخامة الأسوار المكناسية استجابت، في المقام الأول، لضرورة قصوى : "تأمين سلامة سلطان كان يشعر بالتهديد". فقد أطلق مولاي إسماعيل، بعد سنوات قليلة فقط من توليه الحكم، ورشا عمرانيا غير مسبوق في تاريخ المغرب : تطويق المدينة بسلسلة متصلة من الأسوار، يصل مجموع طولها إلى 40 كيلومترا.


ويقوم المخطط الذي أعده السلطان على توسيع كبير لنطاق المدينة، اعتمادا على ثلاث حلقات دفاعية كبرى : الأولى لصد هجوم الخيالة، والثانية تعيق تقدم المشاة، أما الثالثة فتُطوِّق قلب العاصمة الجديدة، أي الحي الإمبراطوري. ومن هذا المنظور، تختلف ارتفاعات الأسوار ما بين 6 و18 مترا، وتعزز سماكتها بحسب نوعية الأخطار المحتملة. وللتجول حول هذا المعلم المذهل، المُدرج ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، كباقي المدينة العتيقة لمكناس، يحتاج الزائر إلى صبر وقوة بدنية.


Meknès recense près de 40 kilomètres de remparts. Certaines portions sont désormais entièrement restaurées, retrouvant leur éclat originel. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskتطوق مكناس بأسوار تمتد على مسافة تناهز الأربعين كيلومترا، أُعيد ترميم بعضها، فعاد لها بهاؤها القديم. تصوير أسامة غالب / لوديسك


لم يكتف السلطان بأمر بناء تحصينات مكناس، بل كان يشرف عليها شخصيا. "تفيد العديد من المصادر التاريخية بأن مولاي إسماعيل كان يُجري بنفسه عمليات تفتيش. كان، مثلا، يأمر بصب الماء في فجوة أعلى جدار حديث البناء. فإذا ظل الماء راكدا في اليوم التالي، اعتُبر البناء متينا، أما إذا تسرب، عوقب المسؤول بشدة"، يروي المؤرخ.


وقد نقل العديد من الغربيين، من دبلوماسيين أو أسرى، مشاهداتهم عن هذا السلطان الفريد، الذي جمع بين الحذر الشديد والبراغماتية الحاكمة. فقد تطلب مشروعه العمراني العملاق يدا عاملة غفيرة ومؤهلة، فاستعان بمئات الأسرى، الذين وفرهم نشاط القرصنة المزدهر في سلا وتطوان. وهكذا، نُقل آلاف الأسرى المسيحيين، الذين أُسِروا في عرض البحر أو اختُطفوا من القرى الساحلية الأوروبية، إلى ورش مكناس العملاق. وتبقى "حبس قارة"، أو "سجن النصارى"، شاهدا استثنائيا على هذه المرحلة. يقع هذا السجن تحت الأرض، في قلب المدينة الإمبراطورية وعلى بعد أمتار من ضريح السلطان، ويتكون من ثلاث قاعات كبرى يُعتقد أنها كانت تتسع لآلاف الأسرى.


Des arcades de Meknès, décorée d'arabesques jaunes sur un fond bleu roi, qui n’a jamais aussi bien porté son nom. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskأقواس مكناس، بزخارفها الصفراء المرسومة على خلفية زرقاء ملكية، تفيض فخامة وأناقة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


أما عسكريا، فقد عاد مولاي إسماعيل إلى الاستراتيجية التي تبناها السلطان السعدي أحمد المنصور (1578-1603)، والتي تقوم على تشكيل جيش محترف من العبيد، يُعرفون بـ"عبيد البخاري"، عوضا عن الاتكال على التحالفات القبلية المتقلبة. وقد أُخذ وجود هذه الفرقة النخبوية، المتخصصة في الفروسية، بعين الاعتبار في تخطيط المدينة. لذلك، وعلى عكس معظم المدن العتيقة المغربية، تتخلل مدينة مكناس ساحات شاسعة (ساحة الهديم، ساحة للا عودة...)، وأبواب ضخمة مثل باب بردعين، باب ثلث فحول، باب الخميس، وباب جامع النوار. وهو توزيع يؤكد، بحسب عبد المالك الناصري، أن "مكناس كانت، أولا وقبل كل شيء، عاصمة عسكرية، صُممت لاحتضان تحركات الجند واستعراضاتهم. وهو الطابع الذي ستستعيده في عهد الحماية الفرنسية، حيث تحولت إلى واحدة من أهم قواعد الاحتلال".


ولضمان استقلالية المدينة، جهز السلطان مساحات زراعية شاسعة، تُعرف بـ"الجنانات"، خارج الأسوار، إضافة إلى خزان هائل من الماء العذب يتمثل في "صهريج السواني" أو "صهريج أكدال". حُفر هذا الحوض على مقربة من المدينة الإمبراطورية، ويبلغ طوله 320 مترا، وعرضه 150 مترا، وعمقه حوالي ثلاثة أمتار. وكان بإمكانه استيعاب كمية كافية من الماء لمقاومة حصار يدوم عدة أسابيع. وهو اليوم، كما غالبية المعالم الإسماعيلية، موضوع ورش ترميم واسع النطاق.


ومع أن مكناس تجسَّدت كعاصمة حصينة بكل ما تحمله الكلمة من معنى، فإن سقوطها جاء سريعا بعد بلوغها ذروة مجدها. فكانت، بحق، مرآة لمولاي إسماعيل، تواكب قدره حتى بعد وفاته. "بوفاته سنة 1727، دون أن يترك وريثا شرعيا متفقا عليه، اندلعت حرب أهلية مدمرة أغرقت البلاد في الفوضى لعقود طويلة"، يوضح المؤرخ. وكانت مكناس أولى الضحايا، فقد شوهتها الانقلابات المتعاقبة، والدمار المتكرر، وحروب الطامحين إلى الحكم، إلى حد أن "ما تبقى من مكناس كما كانت في عهد مولاي إسماعيل لا يتجاوز 10 في المائة »، يتحسر عبد المالك الناصري.


مولاي إدريس زرهون، مدينة مقدسة ومهد سلالة

لكن السلطان الإسماعيلي، وقبل أن يوارى الثرى، حرص على تمجيد نسبه الشريف الذي يتصل بسلالة النبي، فأمر ببناء ضريح لأحد أجداده العظام، رجل يُدعى إدريس. على بعد أقل من ثلاثين كيلومترا من العاصمة الإمبراطورية، تتوارى بلدة عتيقة، شاهدة على ولادة سلالة مؤسسة، لا تزال مكانتها الرمزية حية متجددة. إنها مدينة مولاي إدريس زرهون، الحاضرة التي يتماهى اسمها مع اسم وليّها.


Le mausolée de Moulay Driss, caractérisé par ses tuiles vertes, couleur traditionnelle de l’Islam. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskضريح مولاي إدريس، بتاجه المكسو بالقرميد الأخضر، رمز اللون الإسلامي الخالد. تصوير أسامة غالب / لوديسك


نعود إلى منتصف القرن الثامن الميلادي. كانت الدولة العباسية تسيطر على شؤون الخلافة الإسلامية، لكنها كانت تخشى أن يطالب أحد أفراد "آل البيت" بالحق في الحكم. اندلعت فتنة دامية في المشرق، وكان إدريس بن عبد الله الكامل أحد المشاركين فيها. وبعد انهزامه قرب مكة سنة 786م، تمكن من الفرار مع خادمه المُحرَّر، راشد، ليصلا بعد عام إلى أقصى غرب العالم الإسلامي.


في سنة 787م، استقبلته قبائل أمازيغية، في مقدمتها قبيلة أوربة، المقيمة في وليلي، آثار المدينة الرومانية القديمة. ومن هناك، شرع إدريس في تثبيت أركان حكمه في الجبال المجاورة. لكن عهده كان قصيرا، فقد امتدت إليه يد الغدر، حين أرسل الخليفة العباسي هارون الرشيد من دسَّ له السم، فمات إدريس الأول ربيع سنة 791م.


Le couloir qui mène à l’entrée du mausolée de Moulay Driss, à l’ombre des murs épais, est déjà empreint de solennité. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskالممر المؤدي إلى ضريح مولاي إدريس، الظليل بجدرانه، يعبق بخشوع الزائرين. تصوير أسامة غالب / لوديسك


تقول الرواية أن زوجته كنزة كانت حبلى بابنه إدريس الثاني، الذي سيؤسس مدينة فاس. ودُفن الأب المؤسس على سفح جبل زرهون، حيث يوجد ضريحه اليوم. وبعد سقوط الدولة الإدريسية أواخر القرن العاشر، تراجعت السردية الشريفة، قبل أن تعود بقوة زمن المرينيين في القرن الثالث عشر.


وفي عام 1318م، تقول الأخبار إن روح مولاي إدريس الأول ظهرت على جبل زرهون، فانبثقت من جديد قداسته. غير أن بناء الضريح لم يتم إلا سنة 1722م، في نهاية عهد السلطان مولاي إسماعيل. ومنذ ذلك الحين، سكن البلدة أحفاد الولي من آل الشبيهي، إلى جانب فلاحين محليين.


هي اليوم مدينة مقدسة لا يُسمح بدخول ضريحها إلا للمسلمين، كما يُعلَن صراحة في لافتة موضوعة على مدخل الموقع. بواجهة ناصعة البياض، وباب مقوس يؤدي إلى ممر مفروش بالزليج، يدخل الزائر إلى عالم من السكون، لا يُسمع فيه سوى همسات المصلين. يمكن للزائر أن يجلس على البسط حول نافورة الوضوء، أو يواصل طريقه حافي القدمين إلى حيث يرقد الولي.


في الداخل، يرقد الإمام إدريس الأكبر، مؤسس أول دولة إسلامية بالمغرب، وضريحه قبلة الوفاء لقرون طويلة. لوديسك


في القاعة المفروشة باللون القرمزي، يتربع قبر إدريس، يعلوه عمودان ضخمان نقشت عليهما آيات من القرآن الكريم. بعض الزائرين يفضل التأمل الصامت، بينما يعبر آخرون عن تبتلهم باحتضان القبر أو تقبيله، رجاء في البركة. ومن عجائب هذا المقام، مئذنة مسجد السنتيسي، وهي الوحيدة في المغرب ذات الشكل الأسطواني، والمكسوة بفسيفساء خضراء خُطّت عليها آيات قرآنية، في تناغم فريد بين الهندسة والدين.


وليلي وذاكرة الرومان

عند الانحدار من جبل زرهون، تستوقفك ساحة مستديرة ولوحتان تحملان وجهتين متقابلتين : إلى اليسار مكناس، وإلى اليمين وليلي، كما يسميها اللسان العربي. وها نحن نسلك الدرب الثاني، نحو أقدم معقل في هذه الأرض التي عرفت قيام عواصم وسقوطها. لم تُؤكَّد أهمية وليلي كمدينة موريتانية-رومانية إلا عند حلول أوائل علماء الآثار من عهد الحماية سنة 1915. 


Les colonnes de la basilique, plus grand bâtiment public de Volubilis, également tribunal, où l’on juge et exécute les sentences. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskأعمدة البازيليكا، أضخم مبنى عمومي في وليلي، حيث كانت تعقد المحاكم وتُنطق الأحكام. تصوير أسامة غالب / لوديسك


قبل ذلك، كانت أطلال المدينة تعد من بقايا حضارة وثنية لا تستحق حفظا ولا إجلالا. لم تُدرجها أي سلطة إسلامية في عداد التراث، بل ساد الظن بين الأهالي بأنها من آثار بحّارة برتغاليين، أو حتى من بناء الفراعنة، فسموها "قصر الفرعون".


وترجع قصة الحضور الروماني بالمغرب إلى الحروب البونيقية، التي مكنت روما من بسط نفوذها على قرطاج سنة 146 قبل الميلاد. ففرضت على شمال إفريقيا نظام الممالك الموريتانية، التي وإن بدت مستقلة، فإنها خضعت لوصاية روما. وبلغ هذا التوازن السياسي ذروته في عهد الملك يوبا الثاني (25 ق.م-23 م)، الذي نشأ في بلاط روما وتشرب ثقافتها.


Le decumanus maximu, principale artère de la ville, qui sillonne Volubilis depuis la porte de Tingis. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Desk


لقد كانت هذه السياسة إحدى بصمات الإمبراطورية الرومانية : أن تترك للملوك المحليين زمام الحكم، بشرط "ترويمهم" ثقافيا، حفاظا على اتساع رقعة الدولة. غير أن هذا التوازن ما لبث أن اختل باغتيال بطليموس، وريث يوبا، سنة 41 ميلادية، لتمر البلاد إلى قبضة روما مباشرة. وتشهد أطلال وليلي على هذا العهد حتى انسحاب الرومان مطلع القرن الثالث الميلادي.


تبدأ الزيارة من الأحياء الجنوبية، حيث لا تزال الجدران القديمة ترسم الأزقة الضيقة التي تتسع تدريجيا نحو وسط المدينة. وهناك، تُطل عليك "دار أورفيوس"، التي زخرفت أرضها بمشهد فسيفسائي يصور إله الموسيقى، على مساحة تتجاوز ألفي متر مربع. كانت هذه الدار الواسعة مأوى لعائلة "كاسيليوس"، إحدى الأسر الأربع الكبرى في وليلي، وكانت تضم حماما خاصا، ومعصرة زيت، وسردابا لتخزين المؤن، وصالة استقبال تطل على فناء مرمري تحيط به أعمدة يونانية ونوافير على الطراز الروماني.


Les vestiges de la Maison d’Orphée, grande villa habitée pendant des siècles par les Caecilii, l’une des grandes familles régnantes au IIe siècle. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskبقايا دار أورفيوس، القصر الروماني الفخم الذي سكنته أسرة كاسيليوس، إحدى الأسر الحاكمة في القرن الثاني. تصوير أسامة غالب / لوديسك


ثم يمتد بك المسير نحو ساحة المدينة الكبرى، حيث يبرز "الكابيتول"، الذي بُني سنة 219 ميلادية، وكان معبدا مخصصا للثالوث الحامي للمدينة : جوبيتر إله السماء والرعد، جونو ملكة الآلهة والسماء وحامية النساء، ومينرفا، إلهة العقل والحكمة وربة جميع المهارات والفنون والحرف اليدوية.


أمام المعبد، تقوم أكبر معصرة زيتون في المدينة، شاهدة على الدور الاقتصادي الحيوي للزيتون في وليلي، التي كانت تضم أكثر من سبعين معصرة. وبالاستمرار في الاتجاه شمالا، تطالعك بقايا الحمامات العامة، رمز الترف الحضري الروماني، ثم تصل إلى قلب المدينة، حيث "الفوروم"، وهو ساحة فسيحة كانت تُستخدم سوقا يوميا للتجار الجوالين، لكنها كانت أيضا منبرا سياسيا، يقف عليه كبار خطباء المدينة لمخاطبة الجمهور. وهنا كانت تُنتخب المجالس البلدية عن طريق رفع الأيدي. ومن معالم المركز كذلك، البازيليك، وهو أكبر مبنى عمومي، كان يؤوي محكمة المدينة، وهو البناء الوحيد الذي شُيد بطابقين يطلان على سائر الحي.


Un bassin circulaire, de ceux qui ornent les patios des maisons dans le quartier huppé de Volubilis. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskحوض دائري يُزين أفنية منازل حي النخبة في وليلي، حيث تلتقي المياه بالحجر في تناغم مهيب. تصوير أسامة غالب / لوديسك


لكن المفاجأة الكبرى في وليلي تكمن في الطريق الملكي "الديكومانوس ماكسيموس"، الشريان الرئيس للمدينة، الممتد من "باب طنجة" إلى "قوس النصر". هذا القوس المهيب، المهدى إلى الإمبراطور كاراكلا (211-217 م) وأمه جوليا دومنا، لا يزال واقفا رغم فقدانه علوه الأصلي الذي بلغ خمسة عشر مترا، وكان يحمل على قمته عربة تجرها ستة خيول. وعلى قاعدته، نقشت عبارة باللاتينية تمجد كاراكلا وفضله على الرعية، وتشهد على "عطفه غير المسبوق، الذي فاق به أسلافه من الأباطرة".


Le sublime Arc de Triomphe dédié à l’empereur Caracalla et à sa mère Julia Domna, symbole de la grandeur de Volubilis. Crédit : Oussama Rhaleb / Le Deskقوس النصر البديع، المهداة إلى الإمبراطور كركلا ووالدته جوليا دومنا، يرمز إلى عظمة وليلي الخالدة. تصوير أسامة غالب / لوديسك


وبالنسبة لأهالي المنطقة، لم يكن كاراكلا إمبراطورا فحسب، بل سليل سلالة ذات دماء موريطانية، كونه ابن الإمبراطور سبتيموس سيفيروس. وتمتد من بعده الأحياء الغنية، حيث ما تزال بعض البيوت قائمة، منها : "دار أعمال هرقل"، و"دار ديونيسوس"، و"دار الإيفيب"، و"دار السباع"، سُميت جميعها نسبة إلى لوحات الفسيفساء التي تزين أرضياتها، وتحكي عن الذائقة الفنية لأزمنة مضت. وقد تعززت وليلي اليوم بمتحف أثري، يضم قطعا نادرة من تراث الرومان، وتُتوج به هذه المدينة، التي لم تكن عاصمة زمنها فحسب، بل ما تزال عاصمة لذاكرة بعيدة، سحيقة، تبوح بما خبأه الزمن في أطلالها.

©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.

Par
En partenariat avec ONMT