تراثسلا، المدينة الأطلسية العصية
تجار، علماء، فقهاء، جنود، متصوفون، قراصنة، وعائلات عريقة، كلهم اجتمعوا في هذه المدينة المعتبرة من بين أبرز مدن المغرب. وخاصة مدينتها العتيقة التي تعود لقرون خلت، وتمثل مرآة لتاريخ غني وفسيفساء من الثقافات ومزيجا متميزا من الشعوب. ورغم مرور العصور، لا تزال سلا واحدة من أكبر المدن المغربية وأكثرها كثافة سكانية، وقد استفادت مؤخرا من برنامج واسع للتأهيل والتثمين بات اليوم شبه مكتمل، أعاد لها بريقها التاريخي، وبالرغم من أن بعض أعمال البناء ما زالت جارية حول أسوارها القديمة، إلا أن قلب المدينة استعاد هدوءه، وعادت الحياة إلى وتيرتها الطبيعية، ما يمنح فرصة مثالية للغوص في دهاليز المدينة العتيقة، التي أصبحت جاهزة للكشف عن كنوزها التي لا تحصى.
زقاق معاد تأهيله داخل المدينة القديمة لسلا. تحميها الأسوار التي شُيدت لمواجهة هجمات القراصنة، تحوي الأزقة الضيقة المغطاة بأخشاب الأرز، التي يعود بعضها إلى أكثر من خمسة قرون، متاجر الأقمشة والبلغة والتوابل والمجوهرات التي كان يديرها اليهود سابقا. تصوير: أسامة غالب / لوديسك لا يمكن فهم مدينة سلا بمعزل عن جارتها الرباط، فطالما نُظر إلى المدينتين الأطلسيتين كمتنافستين – وهما اللتان لا يفصلهما سوى مصب نهر أبي رقراق، ذلك الحبل السري الذي ربط تاريخ توأمة فريدة في المملكة – على أنهما خصمان. أما اليوم، فقد تحولت الضفتان إلى كورنيش عصري يضم ميناء لمَراكب النزهة، ومطاعم عائمة، ومنشآت ترفيهية متنوعة. هذا المشهد يعكس صورة متطابقة بين المدينتين عززها ارتباط عبر جسورٍ مخصصة للمركبات، وخط ترامواي يتخطى الحواجز الجغرافية. لكن قبل ظهور هذه البُنى التحتية، كان اعتماد التنقل بين الضفتين لقرون طويلة على قوارب النهر التقليدية "البراكة"، مما خلق رابطا عضويا ومائيا يجسد التاريخ المشترك للرباط وسلا، هذه الأخيرة التي اكتسبت عبر الزمن سمعة مهيبة كقلعة للقراصنة، قبل أن تُدرج ظهرها تدريجياً للبحر.
مارينا الحديثة المشتركة بين مدينتي سلا والرباط. في الخلفية، صومعة حسان غير المكتملة، أحد رموز العاصمة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك إذا كان تاريخ الاستيطان البشري في سلا ومنطقتها يعود إلى عصور ما قبل التاريخ - كما يدل على ذلك اكتشاف جمجمة أحفورية جزئية عام 1971 تعود لأحد أفراد جنس "هومو" عمرها 400 ألف سنة - فإن التفاعلات البشرية الأكثر نشاطا بدأت تظهر فيها خلال العصور الكلاسيكية. فقد وفر مصب نهر أبي رقراق ميناء طبيعيًا سمح للتجار الفينيقيين الجريئين، ومن بعدهم القرطاجيين، بإقامة مركز تجاري على مرتفعات موقع شالة نحو عام 500 قبل الميلاد. ورغم أن هذا الموقع الذي يُعرف اليوم بكونه مدفنا لسلاطين الدولة المرينية (القرون 13–15 الميلادية) يقع على الضفة الرباطية، إلا أنه يظل شاهدا حيا على تطور سلا. ومع الهيمنة الرومانية وإنشاء مقاطعة موريطانيا الطنجية، اكتسب مصب أبي رقراق أهمية استراتيجية لم تُدرك إلا متأخرًا. فقد كشف علماء الآثار المغاربة مؤخرا عن مدينة قديمة يُعتقد أنها تلك التي أطلق عليها الرومان اسم "سالا كولونيا"، حيث يبدو ارتباط هذا الاسم بالتسمية الحديثة للمدينة (سلا) واضحا، وقد بقي مستمرا حتى بزوغ فجر الإسلام بالمغرب في القرن الثامن الميلادي. وقد ورد ذكر المدينة في كتابات الجغرافي الإغريقي بطليموس والمؤرخ الروماني بلينيوس الأكبر كميناء ذي شأن عظيم.
لكن منذ رحيل الرومان عن منطقة سلا في نهاية القرن الثالث الميلادي، دخل تاريخ المغرب وسلا فيما يسميه المؤرخون "القرون الغامضة"، وذلك بسبب قلة المصادر التي توثق لهذه الفترة. وخلال هذه المرحلة الغامضة، خضع إقليم سلا لسيطرة قبيلة برغواطة الأمازيغية، التي اعتُبرت خارجة عن العقيدة من قِبل القوى الإسلامية الأولى التي استقرت في فاس، إذ رفضت هذه الأخيرة ممارسات برغواطة الدينية التي وصفتها بـ"المنحرفة". لكن الصراع لم يكن دينيًا فحسب، بل كان أيضًا معركةً طويلة ومحتدمة من أجل السيطرة على منطقة غنية بالموارد البحرية والغابوية، وقد انتهى هذا النزاع مع استقرار بني عشرة، المنتمين إلى قبيلة بنو يفرن، في القرن الحادي عشر. وتميّز هؤلاء بتبنّيهم إسلاما أكثر توافقا مع العقيدة السائدة آنذاك، مما منحهم الشرعية لإحكام سيطرتهم على الضفة الشمالية لنهر أبي رقراق. ومن هنا، بدأت ملامح كيان حضري في التشكل، ليؤسسوا المدينة التي ستُعرف لاحقا باسم سلا، كما نعرفها اليوم.
سوق الغزل، سوق قديم للمزادات حيث تُباع الصوف الخام أو المصبوغ على أكوام. وهو أيضا أكبر ساحة في المدينة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك أسوار الموحدين : كنزٌ معماري
بات التراث الذي راكمته سلا قبل هذه المرحلة المفصلية شبه مختفٍ اليوم، حيث محا الوافدون الجدد ماضيها المدفون، ليشيدوا هوية ما زال جزء من المدينة يحمل إرثها. وبدأت ملامح كيانٍ حضريٍّ جنيني يأخذ أبعادًا جديدة مع بزوغ نجم دولة المرابطين (1040-1147م)، الذين سيطرُوا على المدينة عام 1068م. فعلى الضفة الجنوبية (موقع الرباط الحالية)، شيدت السلطة الجديدة حصنًا يُعرف اليوم بقصبة الأوداية، فيما أقامت على الضفة المقابلة للنهر أسوارًا لا تزال تحيط بمدينة سلا العتيقة حتى الآن. لكن بعد حوالي قرنٍ، حوصرت المدينة بقوة لا تُقهر قادمة من أعالي الأطلس، حيث اصطدم الموحدون (1147-1269م) بمقاومة عنيفة من قوات موالية لسابقيهم، لينتهي الحصار بتدمير جزءٍ كبيرٍ من الأسوار. غير أن السلطان عبد المؤمن (1130-1163م) قرر إعادة تحصين المدينة، مُهديا إياها واحدا من أروع كنوزها المعمارية التي تُبهر العالم إلى اليوم.
الأسوار، الحراس الميامين للمدينة القديمة لسلا منذ العصور الوسطى، وتراث مدهش مصنف كتراث وطني منذ أوائل القرن العشرين. تصوير: أسامة غالب / لوديسك كانت هذه الأسوار متقنة البناء لدرجة أن سلطات الحماية الفرنسية في المغرب صنفتها ضمن قائمة "المعالم التاريخية" بعد عامين فقط من بدء الاستعمار عام 1912، وتضم هذه التحصينات عدة بوابات رئيسية مثل معلقة أو "باب مالقا"، باب الجديد، باب سيدي بوحاجة، باب فاس المعروف أيضا بباب الخميس، باب سبتة، باب المريسة، وباب شعفة.
ورغم متانة هذه الأسوار، إلا أن لها نقطة ضعف استغلها أعداء المدينة، تجلّى ذلك جليا خلال أفول نجم دولة الموحدين، عندما شن الملك ألفونسو العاشر ملك قشتالة هجوما بحريا على المدينة عام 1260، حيث نزلت القوات المسيحية على شاطئ مصب نهر أبي رقراق، وانقضت على المدينة مستفيدةً من توقف الأسوار عند الخط الساحلي، فالمحيط الذي كان مصدرا للثراء، تحول بين ليلة وضحاها إلى تهديد وجودي.
قاعدة برج الدموع وتتابع الأقواس فيه، منظرا ساحرا لتراث تحت الأرض تحرسه سلا الغامضة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك تسبب هجوم القوات القشتالية الذي وقع يوم عيد الفطر (الذي يُحيي نهاية شهر رمضان) –بحسب المؤرخ ابن خلدون (القرن الرابع عشر)– في "أكبر مجزرة في تاريخ سلا"؛ وسرعان ما استوعبت دولة المرينيين (1269-1465م)، التي خلفت الموحدين في حكم المغرب، الدرس فعززت منظومة الدفاع عن المدينة ببناء "برج الدموع" (إشارة إلى مجزرة 1260) لصد الهجمات القادمة من البحر، ويُعرف هذا البرج اليوم بين سكان المدينة العتيقة باسم "السقالة القديمة"، وقد خضع لعدة ترميمات عبر الزمن، ليصبح رمزا لهوية مدينة حريصة على أمنها. أما إرث الموحدين، فلا يقتصر على أسوار ضخمة وإن كانت جزئيا غير فعّالة، بل يشمل أيضا أحد أبرز معالم التراث العمراني : الجامع الأعظم ("المسجد الأَعظم") الذي أُعيد تطويره في عهد السلطان يعقوب المنصور (1184–1199م).
قطعة مدفعية قديمة، رمز لمدينة محاربة عرفت حقبة طويلة من القرصنة التي شكلت أسطورة سلا عالميا. تصوير: أسامة غالب / لوديسك المسجد الأعظم.. رمز القوة والهيبة
تعود جذور أبرز معلم ديني في سلا إلى مرحلة إسلام المدينة إبّان حُكم الإفرنيين، حين تحول المسجد المتواضع إلى رمزٍ للهيبة والنفوذ. وبانتهاء توسعته عام 1196، أصبح الجامع الأعظم ثاني أكبر مساجد المغرب بعد القرويين في فاس، قبل أن يُزيحه إلى المرتبة الثالثة مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء حديثا. وعلى عكس صومعة حسان الرباطية التي بُنيت في نفس الفترة ولم يُكتمل منها سوى الجزء العلوي، ظل المسجد السلاوي درة تاج المدينة العتيقة. لم يكن الجامع مجرد مكان للعبادة، بل شاهدا حيا على أحداث تاريخية مصيرية، مثل احتماء المدنيين بين جدرانه أثناء الهجوم القشتالي الدامي عام 1260، قبل أن يقعوا في الأسر ويُباعوا في سوق العبيد بإشبيلية. كما صُمم المسجد ليكون مركزا عصبيا للمدينة العتيقة، مزودا بمدارس للعلوم الشرعية وشبكة معقدة لتوزيع المياه.
الباب الضخم للمسجد الأعظم، أكثر من مجرد مبنى ديني فريد، فخر منذ قرون. إلى يساره، المدرسة المرينية، معقل المدينة العلمي والديني. تصوير: أسامة غالب / لوديسك يضم المسجد الأعظم في سلا ما لا يقل عن ثمانية أبواب، من بينها باب ضخم يبرز مكانته المركزية، ويتميز أيضا بمئذنته الجديدة التي بُنيت عام 1840، والتي شُيدت بشكل مستقل دون أن تستند إلى أي جدار كما هو معتاد، ولذلك أطلق عليها سكان المدينة اسم "الصومعة العزْرية".
وفي الوقت الذي كانت فيه سلا تعزز تحصيناتها العسكرية خلال العصور الوسطى، سعت أيضا إلى أن تصبح مركزا للعلم وحصنا منيعا للإسلام المغربي، حتى أنها نافست مدينة فاس في هذا المجال. وقد أَوْلى كل من الموحدين والمرينيين اهتماما خاصا بهذا الجانب العلمي، حيث شهدت المدينة أولى موجات الهجرة من الأندلس الراقية. وفي عهد السلطان المريني أبو الحسن بن عثمان (1331-1348)، أصبحت سلا مركزا علميا بفضل إنشاء عدة مدارس (مدارس علمية وجامعات)، كانت أهمها المدرسة المعروفة باسم "المدرسة المرينية"، والتي تقع بجوار المسجد الأعظم في حي "الطالعة".
فناء المدرسة المرينية، بلاطات خزفية وزليج صنعها أمهر الحرفيين، توليفة مغربية أندلسية تعكس الأناقة المميزة لسلا. تصوير: أسامة غالب / لوديسك تفسِّر هذه القُربى (بين المدرسة والجامع) تركيزها على التكوين الديني وعلوم التصوف ودراسة النصوص الشرعية. وقد وُكِل تشييد هذا الصرح الاستراتيجي لأمهر الحرفيين المغاربة والأندلسيين. ففي مساحة تقارب 200 متر مربع، يبهرك إتقان زخارف الزليج التي تُغطي الأرضيات والجدران بكاملها، مُضفية طابعا قدسيا وجليلا. وفي القلب، تتربع نافورة الوضوء البدينة وسط تصميم تقليدي بأربعة أروقة تحمل طابقا علويا خُصصَ لغرف الطلاب الجادين.
غرف طلبة المدرسة المرينية، تجسيد للروحانية وأجواء الدراسة للعلماء المستقبليين المعترف بهم في المغرب وخارجه. تصوير: أسامة غالب / لوديسك لكن مدارس سلا لم تكن حكرا على العلوم الدينية. فمحمد كرومبي -المحافظ على المعالم التاريخية بسلا، المنحدر من عائلة سلاوية عريقة- يَكشف لنا عن مدرسة فريدة : "نُسميها 'المدرسة العجيبة'، فهي الوحيدة من نوعها إذ كانت مكرسة لتدريس الطب والصيدلة. وبلغة العصر، يمكن تشبيهها بمركز جامعي صحي يجمع بين التدريب والتطبيق العملي".
باب المدرسة العجيبة، مبنى كان مدرسة طب وصيدلة، ثم عيادة بيطرية، ثم فندقا للتجار وأخيرا مقرا للقاضي، رمزا للعدالة وتطورها. تصوير: أسامة غالب / لوديسك لم تكن هذه المدرسة، التي تحولت فيما بعد إلى متحف دار بلغازي للآلات الموسيقية، المتواجد في حي الملاح (الذي كان في الماضي حيا خاصا بالجالية اليهودية داخل المدينة العتيقة)، تقتصر على تعليم الطب البشري فقط، بل كانت أيضا سباقة في مجال الطب البيطري. "لقد كانت هذه المؤسسة أول من قدم خدمات بيطرية في المغرب، ولهذا أُطلق عليها اسم "دار بلارج" (منزل اللقالق)، لأنها اشتهرت بعلاج الطيور المصابة"، يقول محمد كرومبي.
لم يقتصر الدور التاريخي للمبنى على ذلك، بل كان أيضا أحد أهم "الفنادق" التجارية (أماكن إيواء التجار) في المدينة، كما يوضح المُحافظ : "كان لا بد من تأمين مأوى لقوافل التجار، وتخزين بضائعهم، وإيواء دوابهم". وقد أسهم الأندلسيون –الذين جلبوا معهم حرفًا نادرة للمغرب– في توسع المدينة عمرانيا وتحديثها، خاصة عبر تشييد قناة سلا المائية. بُني هذا الصرح المهيب حوالي عام 1340 لتمديد المياه العذبة من عين بركة (التي تبعد كيلومترات قليلة عن المركز) إلى المدارس والجامع الأعظم. ورغم النسب الخاطئ للقناة إلى البرتغاليين، فإنها –التي بلغ ارتفاعها الأصلي 4 أمتار وامتدت على 14 كيلومترا– خضعت لتعديلات في عهد السلطان العلوي المولى إسماعيل (1672–1727م) رُفع فيها ارتفاعها إلى 9 أمتار، لتصبح منذ ذلك الحين جزءا لا يتجزأ من التراث المادي المميز لسلا.
هوية أندلسية وروحانية قوية
ازداد تدفق العائلات الأندلسية إلى سلا مع تراجع الحكم الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية، وفي عام 1492، أدى سقوط غرناطة، آخر معاقل المسلمين في الأندلس، إلى موجات هجرة جديدة نحو المغرب بشكل خاص. وبفضل اقتصادها القائم على التجارة البحرية، أصبحت سلا وجهة جذابة لهؤلاء الوافدين. ومن بين العائلات البارزة التي استقرت في المدينة عائلة القادري وزنيبر، اللتان عززتا مكانة سلا، حيث تتواجد عائلات مرموقة مثل عائلة الإدريسي، التي يعود وجودها إلى عهد الدولة الإدريسية، أول دولة إسلامية في المغرب خلال القرن التاسع. وتعتبر هذه العائلة، إلى جانب عائلة الكتاني، ذات نسب شريف يرجع أصلها إلى فاطمة الزهراء بنت الرسول، كما ورثت عائلة العلمي مكانة دينية وروحية مرموقة، وذلك لكون نسبها يعود إلى المتصوف الكبير مولاي عبد السلام بن مشيش، الشيء الذي جعل التصوف في سلا من أبرز مظاهر الحياة الدينية في المغرب.
زقاق في المدينة القديمة، أعيد تأهيله، أعاد القلب التاريخي للمدينة ألوانه وحيويته مع الحفاظ على طابعه العريق الذي يعود لعدة قرون. تصوير: أسامة غالب / لوديسك يرتبط اسم المدينة بعدد لا يُحصى من الأولياء الصالحين، الذين أصبحت أضرحتهم معالم مرجعية داخل المدينة العتيقة، غير أن "الولي الحامي" لسلا بلا منازع هو سيدي عبد الله بن حسون، الذي عاش في القرن السادس عشر واشتهر بورعه وتقواه، كما أنه مؤسس الزاوية الحسونية، ولا يزال ضريحه الرائع، الواقع بالقرب من المسجد الأعظم، أحد أكثر المزارات زيارة ليس فقط من قِبل أتباعه، بل أيضا من طرف الزوار.
يأتي الزوار إلى هذا الضريح للاستمتاع بمشاهدة الشموع الضخمة التي تُعد العنصر الأبرز في أهم موكب سنوي تشهده المدينة. عشية الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، يجوب أتباع الزاوية الحسونية أزقة المدينة العتيقة بلباسهم التقليدي، حاملين هياكل خشبية ضخمة مزخرفة بشموع مزينة بألوان زاهية، يتم صنعها كل عام على أيدي أمهر حرفيي سلا. وتعود هذه العادة إلى عهد السلطان السعدي أحمد المنصور الذهبي (1578-1603)، التي استوحاها من مظاهر مشابهة أعجب بها في مدينة القسطنطينية. ولا يقتصر تعلق السكان بالأولياء على سيدي عبد الله بن حسون فقط، بل يشمل أيضا شخصيات أخرى مثل سيدي بن عاشر الأندلسي، المعروف لدى عامة الساكنة بـ"الطبيب"، وسيدي محمد العياشي، وسيدي أحمد الحجي، الذين يحتلون مكانة رفيعة في وجدان السلاويين ويُعتبرون من أعمدة سلا، معقل الصوفية المغربية.
أحمد بن محمد بن عمر بن عاشر الأندلسي، المعروف بسيدي بن عاشر، ولد في الأندلس بجيمينا دي لا فرونتيرا بمنطقة قادس وتوفي عام 1364 في صلاة، وهو من أهم أولياء المدينة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك وبالإضافة إلى هذه العائلات "الشريفة"، ساهمت الهجرة الأندلسية في إثراء المجتمع السلاوي بمجموعة من الحرفيين في مجالات متعددة، مثل الملاحة وصناعة السفن وفهم العوالم البحرية. وقد منحت هذه المهارات المدينة وأهلها آفاقا واسعة جديدة. فقبل ازدهار أنشطة القرصنة البحرية، كانت مدينتا الرباط، التي كانت تُعرف آنذاك باسم "سلا الجديدة"، وسلا القديمة تستفيدان من موقعهما على خليج طبيعي جعلهما قاعدة عسكرية بحرية رئيسية في العصور الوسطى لتنظيم الحملات المسلحة نحو السواحل الأندلسية. وبفضل قرب غابة المعمورة، التي تزودهم بخشب شجر الفلين، تمكن السكان من صناعة السفن، لكن وصول الأندلسيين ساهم في تطوير هذا الحرفي بشكل أكبر.
ومنذ منتصف القرن السادس عشر، ظهر نوع جديد من السفن، والذي كان يتم تصنيعه في موقع بناء السفن، الذي يُعتقد أنه كان يقع أسفل برج حسان على الضفة الجنوبية من نهر أبي رقراق. وقد تميز هذا القارب، الذي كان يصل طوله في بعض الأحيان إلى 40 مترا، بسرعته وقدرته الفائقة على المناورة، ما جعله مثاليا لتنفيذ عمليات الإغارة في عرض البحر. وقد ساهم هذا النوع من السفن في شهرة القراصنة السلاويين، الذين أصبح اسمهم يثير الرعب في أعالي البحار. وبفضل هذه الأنشطة المربحة، اكتسبت المدينة استقلالا سياسيا نسبيا، لدرجة أنها أصبحت، في منتصف القرن السابع عشر، كيانا مستقلا يعرف باسم "جمهورية سلا"، وهو ما يعتبر وضعا فريدا من نوعه داخل الإمبراطورية الشريفة.
باب دار الصناعة صممه المهندس المعماري الإشبلي محمد بن علي الإشبيلي عام 1261، وكان يستخدم كسفينة حربية حتى زلزال لشبونة عام 1755. يتألف من برجين بأسلوب دفاعي متوسط، ينسجمان مع سور المدينة ومجهز بسلمين جانبيين. تصوير: أسامة غالب / لوديسك نشاط القرصنة في سلا
مثّلت أنشطة القرصنة خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر مصدرا رئيسيا للثراء، وبفضل تطوير أسطول بحري حديث "على النمط الأوروبي"، نجح "المنفيون" الأندلس، الذين انضموا إلى صفوف القراصنة السلاويين، في زيادة فعالية الغارات البحرية، دون أن يُجبروا على اعتناق الإسلام بالقوة. وهكذا، خاض بحارة مسيحيون مغامرون تجربة القرصنة بحثا عن المجد والثروة. ومن الجانب المغربي، حرصت السلطة المركزية على استغلال مهارات هؤلاء البحارة بغض النظر عن أصولهم، كما أشار إلى ذلك الفرنسي لويس دي شينييه، في القرن الثامن عشر، في كتابه "أبحاث تاريخية"، إن "اختيار قادة السفن لا يعتمد كثيرا على ذكائهم بقدر ما يعتمد على ثرواتهم. فلا يثق السلطان بأساطيله إلا إذا كانت بقيادة أثرياء قادرين على تحمل نتائج أي فشل. لذلك، ينطلق هؤلاء القادة في رحلاتهم البحرية في وقت متأخر، ويعودون مبكرا، متجنبين أي مخاطر قد تهدد ثرواته,
المحيط الأطلسي من منظار سلا، مدينة موجهة بحزم نحو البحر الذي كان سبب ثرائها ومصائبها. تصوير: أسامة غالب / لوديسك وقد شهدت هذه الفترة الذهبية بروز عدد من قادة السفن الذين أُطلق عليهم لقب "الرايس"، وكان من أبرزهم البحار الهولندي الأصل، جان يانزون فان هارلم، المعروف بـ"مراد الرايس"، الذي أصبح أسطورة في عالم القرصنة بفضل مهاراته البحرية الفريدة وغاراته الجريئة على السواحل الأيرلندية، قبالة أيسلندا، وحتى في مناطق بعيدة مثل نيوفاوندلاند في كندا. وفي عام 1624، بلغ نفوذه حد تعيينه "أميرال سلا" من قِبل السلطان مولاي زيدان (1613-1628). وما زالت آثار هذا العصر المزدهر للقرصنة ماثلة حتى اليوم في شكل المدافع القديمة التي تزين أبراج المدينة العتيقة. ومع ذلك، فقد دُمرت العديد من المعالم التي شهدت تلك الفترة بسبب الزلزال المدمر الذي ضرب لشبونة، سنة 1755، وما تلاه من تسونامي عنيف اجتاح السواحل المغربية، متسببا في دمار واسع طال جزءا كبيرا من تراث سلا في العصور الوسطى.
ومن بين المعالم المتضررة آنذاك كانت باب المريسة، أشهر أبواب المدينة العتيقة، والتي تعني حرفيا "باب الميناء الصغير"، وقد صُمم هذا الباب على يد المهندس المعماري محمد بن علي، وهو من إشبيلية، وأتم بناءها نحو عام 1270. وكان يُعتبر، آنذاك، المدخل البحري الوحيد إلى نهر أبي رقراق، ورغم أن مجرى النهر أصبح يبعد اليوم نحو مئة متر عن موقع الباب، إلا أنه لا يزال المدخل الرئيسي للراجلين إلى المدينة العتيقة.
باب المريسة، حارس المصب سابقا، حيث كانت السفن ذات الأحجام المعقولة تضطر لعبور قنطرتها للوصول إلى قلب المدينة. تصوير: أسامة غالب / لوديسك ورغم كارثة الزلزال، فقد قرر السلطان مولاي إسماعيل استغلال أنشطة القرصنة لصالح الدولة، بهدف الاستفادة من الغنائم وأسرى الحروب، وخاصة المسيحيين، الذين استخدمهم كورقة مساومة في مفاوضاته مع الحكام الأوروبيين. غير أن أنشطة القرصنة جلبت على المدينة غضب القوى الأوروبية المتضررة، مما جعل سلا هدفا متكررا لهجماتهم. وعلى الرغم من تراجع القرصنة في بداية القرن التاسع عشر، إلا أن المدينة ضلت موضع اهتمام القوى الاستعمارية الطامحة إلى بسط سيطرتها على المنطقة. ففي عام 1851، أقدمت البحرية الفرنسية على قصف المدينة بزعم الانتقام من قرصنة سفينة تحمل العلم الفرنسي، كانت قد جنحت قبالة سواحل سلا. لكن المعركة انتهت بتعادل نسبي بفضل الدعم المدفعي القادم من الرباط، مما عزز مكانة سلا ومنحها المزيد من المجد والهيبة.
وخلال هذه الفترة، برز اسم المؤرخ السلاوي أبو العباس أحمد بن خالد الناصري (1835-1897)، المعروف بلقب الناصري، الذي يُعتبر أبرز مؤرخي المغرب في القرن التاسع عشر. وينحدر الناصري من أسرة عريقة أسست الزاوية الناصرية الصوفية في القرن السابع عشر، ويُعرف بكتابه الموسوعي "الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى"، الذي تناول فيه تاريخ المغرب عبر عدة مجلدات، كما كتب عن الفتوحات الإسلامية بقيادة عقبة بن نافع، وذلك في أواخر القرن التاسع عشر، مُؤرخا بذلك صفحة مهمة من تاريخ الإسلام في المغرب.
برج الدموع ومدفعيته المتجهة نحو المحيط، إرث للهجوم الكاسح الذي شنته قوات قشتالة على مدينة سلا عام 1260، حيث يجسد الحصن هذه الصدمة التاريخية حتى اليوم. تصوير: أسامة غالب / لوديسك معقل الوطنية المغربية
رغم فرض الحماية الفرنسية على المغرب، حافظت مدينة سلا على طابعها المتمرد، وأصبحت في مطلع القرن العشرين معقلا للحركة الوطنية المغربية، ويُبرز عالم الأنثروبولوجيا الأمريكي كينيث لويس براون، في كتابه "أهل سلا : الثابت والمتحول : 1830-1930"، هذا الدور الرائد بقوله "من بين 22 مدرسة حرة أُسست في المغرب بين عامي 1919 و1925، كانت أربع منها في سلا، وبلغ عدد طلابها المسجلين 200 طالب. وقد أقلق هذا النجاح سلطات الحماية الفرنسية، التي كانت مقتنعة بأن هذه المدارس تُلقن الشباب دعاية مناهضة لفرنسا، ما دفعها إلى مضايقة مؤيدي هذه المؤسسات التعليمية وأساتذتها".
وبفضل هذه الريادة، احتضنت سلا بدايات النضال الوطني لعدد من الشخصيات البارزة في تاريخ المغرب الحديث، مثل بوبكر القادري، عبد الرحيم بوعبيد، عبد اللطيف الصبيحي، أحمد معنينو، محمد حصار، محمد اشماعو، بالإضافة إلى الأخوين سعيد وعبد الكريم الحجي.
محمية خلف أسوارها، المدينة القديمة البيضاء البراقة تتحدى الزمن وتعرض إرثا عريقا محفوظا. تصوير: أسامة غالب / لوديسك ومنذ استقلال المغرب في 1956، ظلت سلا تعيش في ظل جارتها الرباط، التي أصبحت منذ 1913 العاصمة الإدارية والسياسية للمملكة. لكن ذلك لا يُنقص من مكانة سلا، التي يكفيها تاريخها العريق والغني لمنحها لقب "المدينة الأكثر تمردا" في المغرب.
©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.











