S'abonner
Se connecter
logo du site ledesk
العربية

مقابلة خاصةقضية بريد المغرب: المدير العام السابق لـ « كرونوبوست » يروي تفاصيل محنته

22.01.2025 à 01 H 58 • Mis à jour le 22.01.2025 à 01 H 58
Par Soufiane Sbiti
كشف "لوديسك"، في السابق، خبايا قضية بريد المغرب، حيث تعرضت "كرونوبوست" لاختلاسات تزيد عن 55 مليون درهم، دبرتها عصابة من المحتالين والمجرمين. وقد كان المدير العام السابق عبد الرحيم الإدريسي ضحية لهذه الفضيحة المدوية، إذ تعرّض للتهديد بالقتل وتخلى عنه بريد المغرب الذي كرّس عقودا من حياته في خدمته، ثم قضى عامين خلف القضبان. والآن، بعد أن استرجع حريته، يتحدث الإدريسي عن مسلسل الأحداث الذي دمّر مساره المهني وقلب حياته رأسا على عقب، لكنه مازال يمنّي النفس بإعادة الإعتبار إليه و بتحقيق العدالة أمام الإستئناف.

بالإضافة إلى ما طبع قضية بريد المغرب من إجرام ودناءة (انظر ما كشفناه سابقا من هنا)، والدور السلبي للهيئات الرقابية وأخطاء الشرطة والتحقيق القضائي، فإن أكثر ما يثير الصدمة هو ما تعرض له الضحايا الذين راحوا أكباش فداء. تبديد واختلاس المال العام، والجريمة المنظمة، والابتزاز والتهريب بجميع أنواعهما، قضايا شائعة في المحاكم، ولها نصيبها من المظالم التي تتردد أصداؤها في الصحافة أحيانًا.


ما يجعل قضية بريد المغرب مميزة للغاية، على الأقل في السنوات الأخيرة، هو أن الوقائع تثير الرعب أكثر من الفضيحة المالية نفسها : العزلة التي عاشها مسيرو شركة عمومية بعد أن علقوا في دوامة من المضايقات والتهديدات والهجمات الشخصية، والتخلي عنهم من جانب رؤسائهم ثم وقوعهم فريسة لمسؤولي بعض الأجهزة القضائية.


بناءًا على الوثائق التي بين أيدينا والتقارير ومحاضر الشرطة ونصوص الأحكام، فإن حيوات الناس هي التي تضررت قبل أي شيء آخر، ووسط الإجراءات والمساطر، فإن المسارات المهنية للأفراد تعرضت للأذى.


وسط هذه العاصفة التي قلبت حيوات الناس رأسا على عقب، بفعل مجرمين كانوا يلهثون وراء الغنائم السهلة، بدأت مأساة المدير الإداري والمالي لشركة "كرونوبوست" محمد الكردودي، الذي تعرض للتهديد في مناسبات عدة، لتجبره هذه الضغوط على التنحي، وفسح المجال للمدير الإداري والمالي المؤقت الذي سيلعب دورا مهما.


بعد ذلك، جاء الدور على العاملين في "كرونوبوست". خصوصا العاملين في مركز النداء، الذين سوف يتعرضون لسيل من المكالمات الهاتفية لإهانتهم ومضايقتهم، وفي بعض الحالات يتم ذكر أسماء أقاربهم للإشارة إلى أنهم في متناول أيديهم. وبعد ذلك سيأتي الدور على المدير العام، عبد الرحيم الإدريسي. مكالمات، وملاحقات مفتوحة، ثم محاولات اغتيال، مثل ذلك اليوم الذي اعترض فيه مهاجمه طريقه، وألقى عليه كرة حديدية مستهدفا رأسه من مسافة الصفر بينما كان يقود سيارته، ولم يسعفه سوى الحظ في النجاة واقتصر الضرر على النافذة الزجاجية التي تكسّرت..


ثم جاء الحكم القاسي الذي أرسل الإدريسي إلى السجن بتهمة "الاختلاس"؛ وبعد حبسه احتياطيًا لعامين، حكم عليه في النهاية بالسجن لمدة عام، ليس بناءََا على التهم الموجهة إليه في البداية، ولكن بسبب "الإهمال الجسيم".


لم يقف الأمر عند هذا الحد، بل جرت محاكمته وإدانته بتهمة "غسيل الأموال"، حتى قبل إدانته بـ "الإهمال الجسيم"، وجرت مصادرة أملاكه، ليجد نفسه عاطلا عن العمل، بينما لا يتبدى أي انفراج في الأفق.


إنها مأساة لشخص كرس 30 سنة من حياته في خدمة بريد المغرب والمؤسسات التابعة له. لم يجد العزاء لما كان خلف القضبان سوى في إكمال دراسته و نيله الدكتوراه في الاقتصاد بدرجة مشرف جدا، التي يفخر بها بشكل خاص.


خلال محنته، سيحصل الرجل على دعم غير مشروط من عائلته الصغيرة  و الكبيرة خصوصا من نساء مخلصات تعبئن للمساعدة في تحقيقات الشرطة، وقدّمن لاحقا معلومات حيوية افادتنا في تحقيقاتنا الخاصة، وساهمن في مراجعة المعلومات، والربط بين خيوط القضية، وحتى تحديد أماكن تواجد المشتبه بهم الفارين من العدالة…


وإذا كان "لوديسك" تمكن من نشر سلسلة مقالاته حول هذا الموضوع، فذلك لأن الإدريسي، وهو ضحية تمت تبرئتها جزئيا، قرر أن يصبح مُبلّغًا عن قضية تم التكتم عليها لفترة طويلة.


يريد اليوم أن يقدم شهادته بوجه مكشوف، ويشرح كل شيء بنفسه، ويصر على القول : "إن كل جملة تقال لها مستند يدعّمها".


بعد التهديدات، القتلة المأجورين، إبعاده من بريد المغرب والسجن، لا يزال لدى الإدريسي أمل في تحقيق العدالة؛ يرفع الصوت دفاعا عن نفسه، ويواصل نضاله، وبالنسبة لشخص فقد كل شيء، فإنه لم يعد لديه ما يخسره.


مقابلة مع رجل لا يزال صامداً في وجه الشدائد.


ما هو وضعك حاليا؟

من الناحية الإدارية، تم إعفائي من مهامي كمدير عام من طرف بريد المغرب. فجأة وجدت نفسي بدون عمل، والأسوأ من ذلك، بلا تغطية صحية، بما في ذلك لجميع أفراد أسرتي : زوجتي وأطفالي الثلاثة.


من الناحية المالية، لم أحصل على أي مدخول منذ فبراير 2022، وتمت مصادرة ممتلكاتي وتجميد حسابي المصرفي. أنا أعيش حاليًا بفضل المساعدة العائلية من إخوتي وأخواتي ومساهمة بعض الأصدقاء المقربين جدًا الذين أشعر بالامتنان الشديد لهم. وبفضل هذه المساعدة المالية تمكنت أسرتي الصغيرة من إعالة نفسها ولم يتخلى أطفالي عن دراستهم.


كما يمكنكم أن تتصوروا، فإن تكاليف خدمات الدفاع عني واحتياجاتي الأخرى باهظة. أنا مثقل بالديون، ولكي أواصل معركتي، يجب أن أتحمل المزيد من الديون.


أما فيما يتعلق بقضية الاختلاس، فقد برأتني المحكمة الابتدائية من تهمة "اختلاس الأموال العامة" وحكمت عليّ بالسجن لمدة عام بتهمة "الإهمال الجسيم"، علماً بأنني قضيت عامين وشهرين خلف القضبان. والقضية حاليا في الاستئناف.


بين ليلة وضحاها، تجد نفسك في مواجهة قتلة مأجورين. هل تعتقدون أن هذا يمكن أن يحدث لأي كان؟

لا على الإطلاق. كنت أعتقدأننا بمنأى عن هذا النوع من الأفعال الإجرامية الشنيعة. عندما تلقيت تهديدات شفهية على هاتفي المحمول، ظننت أنهم يخادعونني ويريدون فقط تخويفي. لكنني كنت مخطئاً. يبدو أنه

لا يقتصر الأمر على البضائع والخدمات التي يتم تبادلها على الصعيد الدولي فحسب، بل يتم  أيضاً  استيراد الممارسات والأفعال الإجرامية.


لعلمكم، عندما أقدموا على محاولة قتلي بهذه الطريقة الخسيسة، لم أخبر عائلتي أو موظفي الشركة خشية إخافتهم وإرباكهم أكثر.


الجريمة "الخطيرة"، أي تلك التي تمس حياة الأفراد ومحيطهم، معروفة جيداً. لكن أن نراها تمتد إلى عالم الأعمال  و الشركات هو أمر غير مسبوق ، ويؤشر على تطور بالغ الخطورة.


كان جميع زملائك في "كرونوبوست" تحت التهديد، سنة 2020، هل ساندكم بريد المغرب؟

أواخر 2019 وبداية 2020، شرعت العصابة الإجرامية في مهاجمة الشركة وموظفيها. في البداية، هاجموا المدير الإداري والمالي السابق، ثم بدأوا في تهديد بقية الموظفين. قبل أن يقرروا مهاجمتي شخصيًا في 21 فبراير 2020. حصل لدينا انطباع بأنه قد تُركنا لوحدنا، وبدا أن العصابة الإجرامية مصممة على تنفيذ خططها حتى النهاية. لم يكن هناك ما يوقفهم، على الرغم من أننا كنا قد تقدمنا بالفعل بشكاية لدى وكيل الملك.


تم إبقاء بريد المغرب ومجلس الإدارة على اطلاع طوال هذا المسار الإجرامي. ولم يصدر عن الأول أي رد فعل إلا بعد الهجوم عليّ، ثم تم تناسي كل شيء، لدرجة أنه في اجتماع مجلس الإدارة الذي عقد مباشرة بعد الهجوم، في 30 مارس 2020، لم تتم الإشارة في المحضر إلى هذه "الحادثة"، ولم يُقدم أي دعم للمدير العام في هذه القضية المؤلمة.


في اليوم الذي اكتشفت فيه عملية الاختلاس، هل ربطت ذلك سريعا مع القتلة المأجورين؟

هذا صحيح، لأنه حتى ذلك اليوم، لم نكن نعرف من يقف وراء هؤلاء القتلة المأجورين أو من كان يعطيهم الأوامر. بالرغم من أن الشرطة كانت تحتفظ بمفتاح القضية : هاتف زعيم العصابة كمال عطرشي منذ 24 فبراير 2020.


أدركت على الفور أنه كان من مصلحة المحتالين التخلص من المدير الإداري والمالي السابق. فقد خشي مرتكبو عملية الاختلاس من أن يتم كشفهم أثناء المراجعة من طرف مراقب الحسابات، والتي كان من المقرر إجراؤها في نهاية فبراير 2020.


وبما أنني كنت مقتنعًا بالصلة بين الملفّين (محاولة القتل والاختلاس)، فقد أحلت الأمر على وكيل العام للملك عن طريق المحامي الخاص بي، في 2 دجنبر 2021، والتمست منه دمج القضيتين.


باعتباركم مديرا عاما، هل راودتكم أي شكوك حول ما يجري داخل شركتكم؟

على غرار أي شركة مهيكلة، هناك أقسام وإدارات مختلفة. يعرف كل مدير مهامه ولديه إطار عمل محدد. وبصفتي مديرا عاما، كنت أقوم بتوجيه نشاط الشركة من خلال المؤشرات والتقارير التي يضعها المدراء ورؤساء الأقسام.


وقد ساعدني في عملي الإداري ثماني لجان موضوعاتية، و يتم اتخاذ الإجراءات والقرارات المتعلقة بإدارة الشركة ومراقبتها داخل هذه اللجان.


أذكّر بأن "كرونوبوست المغرب" حازت على شهادة إيزو 9001، إصدار 2015. وهذا يعني أن عمليات الشركة منظمة، ويتم تدقيق كل عملية على أساس منتظم مرتين في السنة وتقييمها وفقًا لمؤشرات الأداء والأهداف المخصصة لها. يتم توثيق جميع الإجراءات ومراجعتها وتحديثها. كل موظف لديه توصيف وظيفي وهو على دراية تامة بمهامه ومسؤولياته.


يتم الإبلاغ عن أي حالة عدم امتثال وتسجيلها وتصحيحها. باختصار، تخضع الشركة لعملية تحسين شاملة ومستمرة. وقد حصلت الشركة على علامة "الاتحاد العام لمقاولات المغرب" لـ "المسؤولية الإجتماعية للشركات"، كما حصلت على صفة المشغل الاقتصادي المعتمد من النوع "A" من السلطات الجمركية. وهذه كلها امتيازات تشهد على حسن إدارتها. لقد كنا تقريباً شركة فرعية نموذجية لمجموعة بريد المغرب.


بالإضافة إلى ذلك، وضعت الشركة ضوابط داخلية وشكّلت خريطة للمخاطر كما وضعت أنظمة لتخفيف هذه المخاطر. وقد تم تنفيذ هذه العملية بأكملها بدعم من فرق بريد المغرب المتخصصة، وخضعت للمراقبة والتحقق من صحتها من قبل لجنة التدقيق ومجلس الإدارة.


طبقت الشركة تقريباً جميع المتطلبات الأساسية للحكامة الجيدة وفقاً للدليل المغربي للممارسات الجيدة للحكامة : دليل الإجراءات المحاسبية، والأنظمة الداخلية، ونظام الرقابة الداخلية، ولجنة التدقيق التي يرأسها مدير التدقيق والجودة في "جيوبوست" (شركة تابعة لبريد فرنسا : ملاحظة المحرّر)، ولجنة الترشيحات والمكافآت ولجنة الاستثمار.


كل ذلك يعني أنه يتم تفعيل الرقابة الداخلية ويجري تحليل نتائجها ومراقبتها من قبل لجنة التدقيق ومجلس الإدارة. بالإضافة إلى ذلك، يقوم مراقب الحسابات بتقييم الرقابة الداخلية للشركة بشكل منهجي، وهو مطالب - بموجب واجباته والتزاماته - بالإبلاغ عن أي خلل أو قصور في الرقابة الداخلية إلى الهيئات الإدارية للشركة (مجلس الإدارة والجمع العام العادي).


صادق جميع مراقبي الحسابات (كلهم من "الأربعة الكبار") على حسابات الشركة دون تحفظ. وبدا أن كل شيء يسير بسلاسة ولم يساورني أدنى شك في أي وقت من الأوقات بشأن أي مخالفات.


هل لديك مسؤولية فيما حدث؟

يمكن أن أتحمل المسؤولية إذا لم أقم بتنفيذ ما وصفته للتو. فقد تم تفعيل جميع الشروط الأساسية للحكامة الجيدة التي تقع ضمن اختصاصي.


ولكن إذا كان الأشخاص المسؤولون عن المراقبة الداخلية هم أنفسهم مرتكبي عملية الاحتيال، أي أن الخازن والمدير الإداري والمالي المؤقت، كانوا يحتالون ويزورون التسويات المصرفية، فسيكون من المستحيل بالنسبة لي تحديد هذا الاحتيال. وذلك لأنه لا الوصف الوظيفي الخاص بي ولا دليل الإجراءات المحاسبية يعطيني أي مهام رقابية. وهذا هو حال جميع المدراء العامين للشركات في المغرب وحول العالم.


في هذه الحالة، تم "تحييد" المراقبة الداخلية من قبل المحتالين، الذين كانوا هم أنفسهم مسؤولين. كان خط الدفاع الأخير للشركة هو المراقبة "الخارجية"، في شكل عمل مراقب الحسابات ويقظة البنك - وفقًا لالتزاماته بموجب القانون 43.05 وتعميمات بنك المغرب حول هذا الموضوع. وللأسف، لم ينجح أي من ذلك. فقد تجاهل البنك تمامًا تدابير اليقظة ولم يستخدم مراقب الحسابات أسلوب التأكيد المباشر للمعلومات.


يجب ألا ننسى أن هذا ليس مجرد احتيال وجريمة اختلاس وتزوير أرقام، بل جريمة تستهدف ذوات وأرواح الناس.


إن واقعة أنه حتى بعد إلقاء القبض على زعيم عصابة القتلة المأجورين ومصادرة هاتفه، لم يبد المدبرون (موظفو "كرونوبوست المغرب"، عبد الإله كيكي، ومحمد لكحل بالإضافة لخالد الرمزي : ملاحظة المحرر) أدنى تردد في الفرار أو التخلي عن خططهم الإجرامية، لهو مؤشر واضح على الطبيعة الخطيرة للغاية لهؤلاء المجرمين وإصرارهم القوي على تحقيق غاياتهم.


بل على العكس، استمروا في تنفيذ خطتهم وصعّدوا من وتيرة عمليات النهب. كيف يمكن أن يكون ذلك ممكنًا؟ لقد مضوا في خطتهم كما لو كانوا مطمئنين إلى أن كمال عطرشي لن يشي بهم وكأنهم متأكدون من أن البيانات التي يحتويها الهاتف المصادر - والتي ستمكن من التعرف عليهم - لن يتم الكشف عنها. هذا يدفع للإعتقاد بوجود بجهات ما قامت بحمايتهم


ماذا عن مجلس الإدارة؟

القانون 17.95 واضح، لا سيما المواد 69 و72 و76 و327. يتولى مجلس الإدارة مسؤولية إعداد القوائم التركيبية وإغلاق الحسابات بالإضافة إلى المراقبة.


ولكن من الناحية العملية، فإن مجلس الإدارة  يعتمد بشكل عام على عمل واستنتاجات مراقب الحسابات. والأكثر من ذلك، هذا ليس احتيالاً عادياً. إنه احتيال مقترن بخطة إجرامية ولصوصية. وقد تمكن الجناة من التسلل من خلال شبكة المراقبة كلها : المراقبة الداخلية، والمراقبة الخارجية من قبل لجنة التدقيق، ومجلس الإدارة، ومراقب الحسابات، وكذلك البنك. ولإكمال مناورتهم، تخلصوا من المدير الإداري والمالي السابق بمحاولة اغتياله هو والمدير العام. كما تمكنوا أيضًا من تزوير توقيعين : توقيع المدير العام وموقّع مشارك آخر (التوقيع المشترك هو في حد ذاته وسيلة للتخفيف من مخاطر الاحتيال).


لا أعرف أي شركة حددت مثل هذه المخاطر في خرائط المخاطر الخاصة بها.


من وجهة نظري، حتى اللحظة الراهنة، فإن الشركات غير مجهزة للتعامل مع هذا النوع من المخاطر. وتحتاج وظيفة المراقبة الداخلية إلى إصلاح شامل لإدماجها وتصميم أنظمة للتخفيف من آثارها.


كذلك، كنت أتابع النقاش الدائر على شبكات التواصل الاجتماعي (لينكد إن : ملاحظة المحرر) بشأن مسؤولية مراقب الحسابات. وفي رأيي، نحن بحاجة إلى تجاوز الاعتبارات الفئوية التي تهدف إلى حماية مهنة مراقب الحسابات ووضع المصلحة العامة في المقام الأول. فالشركات تتعرض بشكل متزايد لمخاطر الاحتيال التي تتطور وتتسم بطابع إجرامي. ومن واجب هيئات إدارة المهنة تكييف أدوات وإجراءات المراقبة والتفكير في أفضل الممارسات القادرة على التخفيف من هذه المخاطر الجديدة.


في عام 2022، انقلب كل شيء ضدك وتم حبسك احتياطيًا. ما قولك عن تلك المرحلة؟

في 13 فبراير 2022، اليوم الذي أُبلغت فيه بحبسي احتياطيًا، أصبت بصدمة رهيبة. كان كل شيء من حولي ينهار. لم أستطع أن أفهم كيف أو على أي أساس تم اتخاذ هذا القرار أو ما هي الأدلة التي استخدمت ضدي. هل يمكن اعتبار شهادة أحد المحتالين الثلاثة الذين كانوا في حالة فرار دليلاً دون أن يقدم دليلاً ماديًا يدعم مزاعمه؟


أنا الذي كنت ضحية محاولة اغتيال وتزوير توقيعي واختلاس أموال الشركة التي أنا ممثلها القانوني. أنا الذي اكتشفت هذه الاختلاسات وتقدمت بشكاية، أنا المجني عليه تحولت إلى المتهم الرئيسي بناء على مجرد شهادة متهم هارب؟ هذا غير مفهوم على الإطلاق.


قلت في قرارة نفسي أن هذا خطأ جسيم وأنه سيتم تصحيحه بمجرد مثولي أمام النيابة العامة. لكن ذلك لم يحدث. تم نقلي إلى سجن عكاشة (عين السبع). ثم اعتقدت أنه سيتم تسوية الأمور أمام قاضي التحقيق. لكنني أدركت أنني كنت ساذجا. في النهاية، قضيت عامين وشهرين في السجن قبل أن يُحكم عليّ بالسجن لمدة عام بتهمة "الإهمال الجسيم" وليس "الاختلاس".


 أُقلت من منصب المدير العام. ما المبرر الذي تم تقديمه؟

لا يوجد. منذ نشوء القضية في 9 نونبر 2021، أكد لي المساهمون دعمهم لي. ولكن في 7 دجنبر من العام نفسه، تمت الدعوة إلى جمع عام استثنائي لمجلس الإدارة دون إبلاغي بجدول الأعمال مسبقًا، وجرى إخباري أن قرار إقالتي قد اتخذ. ولم يُقدم أي مبرر.


ما هي أقسى لحظة واجهتها أثناء المحاكمة؟

عندما قدم المحامي الخاص بي قائمة العقارات المكتسبة والمسجلة باسم أفراد العصابة الإجرامية وعائلاتهم، وطلب من القاضي مصادرتها واستدعاء أصحاب هذه العقارات للمثول أمام المحكمة للاشتباه في تبييض الأموال : لم يبد محامي بريد المغرب أي رد فعل، وكأن الأمر لا يعنيه.


والأدهى أنه طالب بدلاً من ذلك بالحكم عليَّ بأقصى عقوبة (السجن 20 عامًا) وإعادة الأموال المختلسة.


لم أتخيل أبدًا أن يصدر هذا الموقف عن بريد المغرب، الشركة التي خدمتها بكل إخلاص ونكران للذات طوال 30 عامًا من حياتي.


لماذا لم تنبه الصحافة في ذلك الوقت؟

لقد كان خيارًا. أردنا التركيز على إثبات براءتي وإظهار أنني كنت الضحية وليس الجاني.


لا سيما وأننا أدركنا فيما بعد أن الأمر لم يكن يتعلق بأخطاء بل برغبة مبيتةمن طرف العصابةفي تشويه سمعتي وإلصاق التهمة بي. في الواقع، كان هذا هو الانتقام الثاني بعد أن اكتشفت الاحتيال وقدمت الشكاية. كانت الأولى محاولة القتل التي تعرضت لها بسبب حمايتي للمدير الإداري والمالي السابق.


لما كُنتَ خلف القضبان، من كان يناضل من أجلك؟

إخوتي، زوجتي، أبنائي، أصهاري و محامي و هنا أود أن أشيد بصفة خاصة بعمل و تفاني إحدى أخواتي و إبنتها. لقد أنجزوا مهمة غير عادية واستثنائية. لم يتوقفن ليل نهار عن البحث عن الأدلة وطرق كل الأبواب، بينما كنّ يسافرن إلى الرباط لتقديم الشكاوى والتظلمات حتى يمكن حل المشكلة.


وهنا أيضا، لا بد لي من الإشادة بالتفاعل الإيجابي من طرف هيئات الحكامة القضائية (المجلس الأعلى للسلطة للقضائية و رئاسة النيابة العامة) والمديرية العامة للأمن الوطني. ولولاهم لما تم تصحيح مسار القضية.


مسار تصحيح القضية لم يكتمل بعد. ولكنني أثق في نظام العدالة في بلدي لإظهار الحقيقة في مرحلة الاستئناف.


ولكن حكم عليك سنة 2024 بالسجن لمدة عام بعد أن قضيت سنتين في السجن. ألست غاضباً؟

لأقول لكم الحقيقة، لقد غمرني الفرح لأنني سأحظى أخيرًا بالحرية وسأجتمع مرة أخرى مع عائلتي. لكن بعد أن استهلكت هذه الفرحة وحلّلتُ الحكم، أصبت بالإحباط من الحكم عليّ بسنة سجناً نافذاً بتهمة "الإهمال الجسيم" وإلزامي بسداد مبلغ 55 مليون درهم تضامنا للمدعي المدني (بريد المغرب وجريدة "جيوبوست").


وهذا يعني أنك كمدير عام وجدت نفسك أمام الوضع التالي : يتم تزوير توقيعاتك، تتعرض لمحاولة اغتيال، تكتشف بنفسك الاختلاسات وتتقدم بشكاية. تقوم هيئات المراقبة المحددة بموجب القانون بفحص الحسابات والتحقق من صحتها : يقوم مراقب الحسابات بالتصديق على حساباتك دون تحفظ. توافق لجنة التدقيق ومجلس الإدارة والجمع العام على الحسابات وتهنئ الشركة على أدائها. لا ينبهك البنك إلى أي معاملات مشبوهة في حساب الشركة. وعلى الرغم من كل هذا، فإنك متهم بـ "الإهمال الجسيم". وفوق كل هذا، يُطلب منك إعادة الأموال المسروقة التي لم تسرقها، لأنك بريء من تهمة الاختلاس !


هل كان الحكم خبرًا جيدًا بالنسبة لك؟ لقد انتقلت من "المتابعة القضائية بتهمة اختلاس أموال عامة" إلى إدانتك بتهمة "الإهمال الجسيم"؟ 

إنها نصف الحقيقة. ولكن دعونا نكون منطقيين : ما هي الرسالة التي يقدمها هذا الحكم؟


بالنسبة للمدراء العامين في المقاولات العمومية، أنتم مهددون بالسجن، حتى لو تم تزوير توقيعاتكم، وحتى لو صدقت هيئة المراقبة المالية على حساباتكم، وحتى لو اكتشفتم الاختلاسات بأنفسكم وتقدمتم بشكاية. ألا يؤدي هذا إلى تعطيل النظام البيئي للقطاع العام الذي يحتاج إلى أفضل المواهب والكفاءات؟


بالنسبة للمحتالين، يمكنكم تزوير واختلاس الأموال العمومية. إذا تمكنتم من الهرب، فإن المدير العام هو الذي سيُسجن ويُتهم بـ "الإهمال الجسيم" وسيَدفع المبالغ التي سرقتموها.


الأمر كافكاوي وسريالي.


هل تقبل بأنك كنت مُهملاً؟

لقد قمت بالبحث عن نص القانون الذي يشير إلى "الإهمال الجسيم". إنه المادة 242 ثالثاً. وهو نص حديث نسبيًا تم طرحه سنة 2013. وحتى عندما تم تقديمه لأول مرة، كان موضوع الكثير من النقاشات داخل لجنة العدل والتشريع.


حتى أن بعض الفرق البرلمانية والمستشارين اقترحوا إسقاطها، وأعربوا عن مخاوفهم من أن يؤدي غياب تعريف واضح لمفهوم الإهمال وطبيعته الغامضة إلى توظيف هذه المادة بشكل غير لائق.


في الواقع، دعا أعضاء اللجنة وزارة العدل في ذلك الوقت (برئاسة مصطفى الرميد آنذاك : ملاحظة المحرر) إلى تقديم تعريف لـ "الإهمال الجسيم" و في هذا الباب أعطى  وزير العدل مثالين توضيحيين : الأول يتعلق بشخص فشل في حماية القن السري الخاص بالولوج إلى النظام المعلوماتي مما أدى إلى الكشف عن معلومات حساسة للغاية. أما المثال الثاني فيتعلق بشخص ترك مفاتيح خزنة التي في عهدته في مكان غير مؤمن ، مما أدى إلى سرقة الأموال التي تحتويها.


وهذا بعيد كل البعد عن القضايا المتعلقة بالمدراء العامين. والواقع أن الأحكام الصادرة في قضايا "الإهمال الجسيم" نادرة نسبياً. على حد علمي ووفقًا لأبحاثي، لم يصدر أي حكم من هذا النوع ضد مدير عام لمقاولة عمومية. وفي كل عام، يتم تسليط الضوء على العديد من قضايا اختلاس الأموال العامة التي تورطت فيها شركات عمومية، بما في ذلك أبناك، وبريد المغرب، وشركات الخدمات اللوجستية والنقل، ولم يكن هناك أي قضية محاكمة للمدير العام بتهمة "الإهمال الجسيم"،


ما الذي يجعل قضية "كرونوبوست" مختلفة؟ هل لأن توقيع المدير العام كان مزورًا وصرّح أحد المتهمين، بمجرد إلقاء القبض عليه، بغاية الانتقام، أن المدير العام هو الذي وقع على الإصدارات؟

و على كل حال، سيتم نشر الدعوى من جديد في مرحلة الاستئناف و سنتمكن من مناقشة هذه الأمور و  كلي ثقة في قضاء وعدالة بلدي


وأنت خارج السجن، لم تستسلم أبدا. ما الذي تطالب به تحديدا؟


أولاً، أن يتم القبض على الجناة ومصادرة الممتلكات المسجلة حالياً بأسماء أبنائهم وأصهارهم ووالديهم وزوجاتهم. ثانياً : أن يتم الربط بين قضيتي الاختلاس والشروع في القتل، وأن تتم محاكمة أفراد عصابة القتلة المأجورين بتهمة المشاركة في اختلاس المال العمومي، ومحاكمة أفراد عصابة المزورين بتهمة المشاركة في الشروع في القتل. باختصار، أريد أن يدفع الجميع ثمن الأفعال الإجرامية التي ارتكبوها.


يجب أيضاً مقاضاة المسؤولين فعلاً عن الإهمال، من أجل الحصول على تعويضات عن الأضرار.


تمت إدانتك أيضًا بتهمة "غسيل الأموال"... هل لديك أي فكرة عما إذا كان سيتم الحجز على أملاكك؟

أنا أحترم قرارات العدالة تمامًا، لكنني لا أفهم هذا الحكم بتهمة "غسيل الأموال" على الإطلاق. لقد صدر هذا الحكم حتى قبل صدور الحكم المتعلق باختلاس الأموال، والتي تمت تبرئتي منها ! وكما قلت من قبل، ما زلت أؤمن بالعدالة في بلدي...


القتلة المأجورون طلقاء والمحتالون هاربون. ألست خائفاً على حياتك؟

أود أن أضيف أنهم يستمتعون بسعادة بالأملاك والأموال المسروقة، وأنا البريء تمت مصادرة أملاكي وتجميد حسابي المصرفي.


وللإجابة على سؤالكم، فإن خطر تعرضي أنا وعائلتي لهجوم آخر وارد دائمًا، لكنني لست خائفًا. مصيري بيد الله.


ولكن إذا حدث سوء لي أو لعائلتي، فسوف أتهم المجرمين مباشرة وعلى الفور.


ماذا لو كان عليك أن تفعل ذلك من جديد؟ ما الذي كنت ستغيره؟ هل كنت ستغض الطرف عن الموردين الذين لم يتقاضوا أموالهم والذين أتاحوا لك كشف المخالفات؟

لن أتخلى أبدًا عن مبادئي في الاستقامة، حتى لو كلفني ذلك حياتي. لو أغمضت عيني سيكون الأمر أسوأ. وهذا يعتبر عدم تبليغ عن جريمة والمشاركة في عصابة إجرامية، وهو ما يُعاقب عليه بالسجن…



لقراءة الجزء الأول والثاني من هذا التحقيق بالعربية :

قضية بريد المغرب : قتلة مأجورون ومحتالون وراء السطو على كرونوبوست ((1/2)

قضية بريد المغرب : بحثًا عن المحتالين والأموال القذرة (2/2)


للإطلاع على القصة الكاملة بالفرنسية : 


Affaire Barid Al-Maghrib : tueurs à gages et fraudeurs derrière le casse de Chronopost (1/2)


Affaire Barid Al-Maghrib : à la recherche des truands et de l'argent sale (2/2)


Affaire Barid Al-Maghrib : la négligence coupable de PwC dans le contrôle de Chronopost


Affaire Barid Al-Maghrib : les millions de Chronopost sortis en cash de Bank Of Africa


Affaire Barid Al-Maghrib : l’ex-DG de Chronopost témoigne de son calvaire

©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.

Par @soufianesbiti