نقص مضادات السل: مؤامرة دولة نسجتها أياد خارجية
السيناريو كان جهنميا، والهدف منه هو الإساءة لسمعة مختبر مغربي، هو "فارما 5"، عبر اتهام دوائه المضاد للسل، زورا، بالمسؤولية المباشرة في وفاة بعض المرضى وبالموازاة مع ذلك فبركة نقص حاد وخصاص لهذا الدواء في السوق. تتبع خيوط هذا الملف جعلت "لوديسك" يقف على معلومات غاية في الخطورة تكشف مؤامرة دولة نسجت بأياد خارجية، الواقفون وراءها هم نفسهم وجوه المافيا التي كانت السبب في فضيحة "ميلان". هذا التحقيق يكشف أن مافيا الصحة في المغرب أضحت كوحش "الهيدرا"، في الأسطورة اليونانية. الوحش ذو الرؤوس السبعة، العائم في مستنقع "ليرنا " كلما قطعت له رأسا أنبث مكانه رأسين لينفث سمومه من جديد.
الإشاعة القاتلة
يعرف ملف "ميلان" تطورات مقلقة. القضية تحمل اسم "المختبر الشبح" الهندي الأمريكي والذي استقر في المغرب خارج القانون وفاز بالجزء الأكبر من صفقة مضاد التهاب الكبد الوبائي من الصنف ج. فوز هذه الشركة جاء نتيجة عقد مفبرك، قبل أن يتم فسخه من قبل خالد أيت الطالبي، الوزير الذي خلف أنس الدكالي، صاحب الأداء الكارثي، على رأس وزارة الصحة.
لكن رغم خروج الدكالي وإبعاد المكلف بمديرية الأدوية والصيدلة، البروفيسور جمال توفيق، فإن الشبكة التي شكلاها، بالرغم من أنها بقيت بدون رأس، تحاول اليوم التمويه وإنبات رأس جديدة عبر مؤامرة كبيرة تجاوزت تشعباتها حدود البلد. تم اختيار مختبر "فارما 5" الخاص، الذي أسسه الدكتور عبد الله لحلو الفيلالي، كهدف وموضوع للإشاعة وهو المختبر الذي ينتج منذ 2015 الدواء الشهير SSB-400، الدواء الجنيس المضاد لالتهاب الكبد الوبائي من الصنف ج من صنع مغربي 100 بالمئة.
بدأت الخطبة بتسريب مذكرة سرية مطرزة بخيط أبيض، خلال منتصف شهر نونبر الماضي، أي بضعة أيام بعد خروج توفيق من المديرية بالغة الأهمية (مديرية الأدوية والصيدلة)، توصل بها العديد من الصحفيين على شكل رسالة مجهولة، عبر الواتساب، تحتوي على وثيقتين خطيرتين : مذكرة سرية مرسلة من قبل محمد يوبي، مدير مديرية علم الأوبئة ومحاربة الأمراض بوزارة الصحة مرفوقة ببلاغ صحفي، مؤرخ بتاريخ 22 أكتوبر 2019 صدر عن وزارة الصحة الكاميرونية، وتشير الوثيقتان إلى فارما 5 في قضيتين منفصلتين.
الوثيقة الأولى، والتي تم طمس مرجعها، والذي يرجع تاريخه الفعلي إلى يناير 2019 حسب مصادرنا، تنذر الوزير الدكالي بواسطة كاتبه العام حسن نجمي، والذي تم إبعاده بعد قضية أخلاقية غامضة بأكادير، بأنه "في الربع الأخير من سنة 2017 تم تسجيل حالات خطيرة للإصابة بالتهاب الكبد نتيجة الأشكال المركبة لمضاد التهاب الكبد الوبائي، والتي تسببت في وفاة 5 أشخاص". يضيف هذا الأخير أنه لاحظ "خلال الربع الأول من سنة 2018 ارتفاع الأعراض الجانبية لمضاد الالتهاب الكبدي بنسبة 73 بالمئة بالمقارنة مع نفس الفترة سنة 2017، بما في ذلك 31 بالمئة من الحالات متعلقة بتسمم كبدي ناتج عن الصيغ المركبة المذكورة سابقا تحمل 23 بالمئة منها طابعاً خطيراً".
في مذكرته كتب اليوبي، خلال يناير 2018، أنه طلب من مديرية الأدوية والصيدلة القيام بدراسة حول التركبة البيولوجية لهذه الأدوية لدى شركة "فارما 5"، حيث أكد أنه لا يزال في انتظار النتائج. في نفس المراسلة، طلب مدير الأوبئة السحب الفوري للدواء حيث أوضح أنه اتخذ إجراءات وقائية لتتبع المرضى.
وبالرغم من ملحاحيتها، فإن المعلومات المتضمنة في هذه المراسلة بقيت بدون متابعة أو إجراء عملي. وبالرغم من أن مختبر "فارما 5" مسه اتهام خطير، إلا أنها سيبقى دون علم بمضمون المراسلة.
تعاملت الصحافة بشكل غير حذر مع هذه المذكرة التي انتشرت انتشار النار في الهشيم، حيث أشارت عناوين الاخبار إلى "دواء قاتل"، وذهب بعضها إلى حد مقارنته بدواء Mediator الذي أثار جدلا كبيرا في فرنسا. اتفقت الصحافة على لامبالاة وزارة الصحة في التعاطي مع المذكرة الكارثية لمديرية الأوبئة، والتي بقيت في الرفوف لما يقارب العشرة أشهر، إلا أن وسائل الاعلام التي تناولت الموضوع لم تقيم، إلى حدود الآن، صدق مضمون المذكرة والسياق الذي صيغت فيه.
تتبع التسلسل الزمني، يجعلنا كمن يعيد تجميع أحجية. احجية مؤامرة دولة، غير مسبوقة، ضد مختبر مغربي لصالح نفس فاعلي الظل الذين حاولوا دون جدوى فرش السجاد الأحمر لـ"ميلان" وعرابه في الصفقة المجهضة وموضوعها دواء مضاد للالتهاب الكبدي.
افتعال نقص الأدوية لصالح "
ومن أجل فهم المسرحية، وجب وضع الديكور أولا قبل عرض الحبكة. بعد سقوط عمر بوعزة، المدير السابق لمديرية الأدوية والصيدلة، قام أنس الدكالي بمجموعة من التعيينات بوزارته، بوضع جمال توفيق على رأس هذه المديرية ووضع محمد اليوبي على رأس مديرية الأوبئة. فإذا كان الاهتمام منصبا بشكل أكبر على توفيق باعتباره الآمر بالصرف للصناعة الدوائية، فإن تورط زميله بقي مجهولا. في حين أن دوريهما يتكاملان حين يتعلق الأمر بفتح طلب عروض في كل ما يخص الصحة العامة لكل مرض. فاليوبي هو المسؤول عن وضع "لائحة المشتريات" كما يقال في القاموس المهني. في النهاية، تبقى لليوبي الكلمة الأخيرة في وضع المساطر المتبعة في اختيار العلاجات ومركبات الأدوية التي سيتم تحديدها في الصفقات العمومية. وقد رأينا نفس الشيء في قضية مضاد التهاب الكبد الوبائي، فتفضيل "المختبر الشبح" ارتكز على التمييز الممنوح للتركيبة المقترحة من طرف "ميلان" في مقابل تلك المقترحة من قبل "فارما 5" في معارضة، غير مفهومة، لرأي لجنة الخبراء التي أسست لهذا الغرض.
العلاقة مع ملف السل، الذي يعرف في هذه الأيام فضيحة، تتبع نفس المنطق. فقد تم التحكم في تزويد السوق بالدواء عبر افتعال نقص كبير في كميات مضادات السل على مستوى السوق المغربية، بالرغم من إنكار الوزارة، والتي تحاول اليوم نسب الخصاص لمشاكل لوجستيكية. وحسب مصادرنا، فإن العديد من مراكز الصحة لا تزال تفتقر لهذا الدواء رغم حصول الصيدلية المركزية لبرشيد عليه.
يعود السبب في هذا التقصير الى سلسلة الإمدادات، الشحيحة والمتقشفة، على المستوى الوطني لعدة أشهر مضت. بحيث لم يتم إطلاق أي طلبات عروض خلال سنة 2017، وقد وجب الانتظار حتى شهر نونبر من سنة 2018، وأن يتم إعلان النتائج في دجنبر من نفس السنة، أي أياما فقط قبل كتابة "المذكرة القاتلة" لليوبي. بل أكثر من ذلك، وجب الانتظار ثمانية أشهر أخرى من أجل الحصول على تأشيرة العمل في السوق من طرف وزارة المالية. وكنتيجة لهذا، فقد كانت المستشفيات، خلال شهر ماي من سنة 2019، أمام حالات نفاذ الأدوية، رغم الحملة الوطنية لمكافحة داء السل. وفي غضون ذلك، قامت "فارما 5" بإجراءات وقائية، وذلك من خلال توفير مخزون خاص بها. وبالرغم من المذكرة السرية للوزارة التي تؤكد خطورة دواءها (ERIP-K4)، فقد قامت بتمرير الطلبات خلال شهر يونيو، على مرحلتين، المرحلة الأولى خلال شهري يونيو ويوليوز، والثانية خلال شهري دجنبر وفبراير.
وموازاة مع ذلك، فقد قام جمال توفيق، يوم 12 شتنبر، بفتح الباب " بواسطة إذن خاص بالاستيراد. هذا الإذن الذي لا يمكن إعطائه إلا في حالة الضرورة القصوى، وفي حالة عدم تواجده داخل المغرب، كما يحدده تنظيم أذونات الاستيراد الخاصة، والذي قام موقع "لوديسك" بالاطلاع عليه. يرى المختصون بأن هذه الرخصة، التي يتوفر "لوديسك" على نسخة منها، مليئة بالخروقات.
أولا، هذه الطلبية تقر بتغيير الجرعات المقدمة للأطفال في هذ الدواء (1 بالمئة من الحجم الإجمالي). لكن، بالرغم من أن المنظمة العالمية للصحة تنصح بشكل عام بهذا التغيير، إلا أنها لا تؤيد اعتماده بشكل إلزامي. نفس الشيء الذي تؤيده جمعية أطباء بلا حدود على موقعها : "هذه الجرعات يجب أن يتم التخلي عنها إذا توفرت الجرعات الجديدة الموصى بها".
Jamal Taoufik, ex-directeur du médicament et de la pharmacie (DMP) au ministère de la Santé. illustration بشكل منطقي، فقد كان للمغرب كل الحرية لدراسة ملفات تراخيص الطرح بالأسواق بطريقة جادة دون أي تسرع، خصوصاً وأنه لم تتم الموافقة على هذا التغيير في الجرعات من طرف أي هيئة (بالخصوص اللجنة الوطنية المختصة)، لكن جمال توفيق قرر بشكل فردي اللجوء إلى الاستيراد بشكل متسرع، مما منح احتكارا تلقائيا لـ". وحسب معلوماتنا، فإن رؤساء المراكز الصحية التابعة لوزارة الصحة لم يتم إخبارهم مطلقا بتغيير الجرعات، مما يجعلنا نعتقد بأن الأمر لا يتعدى كونه فرقعة من أجل إضفاء الشرعية على هذا الاستيراد وخلق سوق على المقاس لـ " كما هو الحال بالنسبة لـ "ميلان" فيما يخص التهاب الكبد من الصنف ج. "يكفي الاستمرار بوصف دواء للبالغين وتكييف الجرعات بالنسبة للأطفال، الشئ الذي يتم القيام به بالنسبة للعقاقير" كما يشرح أحد أطباء القطاع العام.
إضافة إلى كل هذا، فإن الترخيص لا يحدد إسم الدواء الذي يجب استيراده أو المختبر المصنع له أو بلد المصدر، وهي معلومات حاسمة من أجل التأكد من إمكانية تعقبه وبالتالي ضمان سلامة المرضى، يوجد فقط إسم الجزيئات على العلبة، الشيء الذي تمنعه منظمة الصحة العالمية وإجراءات مديرية الأدوية والصيدلة. "المستفيد من هذه الصفقة يستطيع استيراد أي منتج ومن أي مكان (...) هذا الأمر جد خطير" يستنكر أحد مهنيي قطاع الصحة والذي يضيف أنه "لا يوجد أي توقيع من طرف الأشخاص الذين أصدروا الوثيقة، كرئيس المصلحة أو رئيس القسم". الوثيقة لا تتضمن سوى توقيع جمال توفيق.
سجاد أحمر مفروش لمختبر أسود
إحدى الحقائق المقلقة تتجلى في كون مختبر ، ذو السمعة السوداء، هو من قام بالطلب والذي حصل على ترخيص قياسي في غضون 24 ساعة، وهذا دليل قاطع على التواطئ من أجل الاستيراد المتحكم فيه على حساب الإنتاج المحلي. وتبقى النقطة الأهم هي كون سعر الدواء مرتفع بأكثر من 25 بالمئة بدون أي مبرر في حين أن الكمية المستوردة ارتفعت بمرتين ونصف دون تبرير أي وقع لذلك على الصحة العمومية. هذه الزيادة تشكل مكافأة إضافية بقيمة 10 مليون درهم وفق تقديراتنا.
حسب تحقيقاتنا فقد تم استيراد هذه الأدوية التي نتحدث عنها (Hirzolid و Solonex 300) من الهند من طرف . تم تصنيعها من طرف مختبرين من الدرجة الثانية، الأول وهو "Hiral Labs Ltd"، تم تأسيسه سنة 2002 بـ "أحمد أباد"، ويقوم بالتصدير أساساً نحو الدول التي لا تتوفر على صناعة دوائية، بالإضافة إلى "Oxalis Pharmaceuticals"، والذي أسس سنة 2012 بـ "خاروني" وهو مختص في التعاقد الخارجي.
موقع "لوديسك" حصل على عينات من هذه المواد، وهي موجودة في السوق المغربية، وقام بإخضاعها للمراقبة العينية من طرف مختصين، وملاحظاتهم غير قابلة للاستئناف. بالإضافة إلى النوعية المتدنية لعلبهم، دواء Solonex 300 يتوفر على مدة صلاحية لا تحترم القانون، وبالتحديد أقل من ⅔ من دورة حياة أي دواء. أما بالنسبة لدواء Hirzolid فإن واجهته المحببة تعكس عملية الضغط العشوائية. ملفوفة في غشاء أقل من غرام واحد، وتتوفر على بقع بنية تعكس وجود شوائب.
هذه الأدوية لم تخضع لأي مراقبة من طرف المختبر الوطني، المعترف به من طرف المنظمة العالمية للصحة، وتم التصريح لهما في ظروف لا تسمح بأي تعقب، في حين أنه توجد أدوية محلية الصنع وذات جودة عالية.
Le Solonex 300 est fabriqué en sous-traitance par un laboratoire de seconde zone dans un village indien. LE DESKوجب التذكير في هذا الصدد بالرغبة التي عبر عنها، منذ مدة طويلة، المختبر المغربي "Sothema"، الذي يتمنى تطبيق ممارسات محترمة نوعاً ما "لا يجب التساهل مع أي عملية استيراد، في حالة تواجد صناعة محلية". وكان المختبر قد حصل على حاجز جمركي من أجل دواء الأنسولين الخاص به، ويتمنى حدوث نفس الشيء بالنسبة للأدوية الأخرى. نفس الشيء يحدث في الدول الجارة، على غرار الجزائر التي تقوم بتطبيق سياسة حماية صارمة لصناعتها الدوائية، وتونس التي تهدف إلى تحقيق 70 في المائة من الاكتفاء الذاتي بحلول سنة 2020.
من دفن الدراسة؟
هل قامت وزارة الصحة بدفن دراسة اليوبي، وفبركة نقص حاد في الأدوية المضادة للسل، لدرجة المقامرة بصحة وأمن المغاربة، وذلك من أجل تبرير _بأثر رجعي_ المناورة العاجلة التي تهدف إلى استيراد الأدوية الهندية لصالح؟
كل الأدلة تشير إلى ذلك، لأن الادعاءات المضادة لمنتوج "فارما 5"، هي في الأصل مضللة.
يستعرض ليوبي في دراسته بأن "فارما 5" لا يتوفر على التكافؤ البيولوجي، مشيراً أيضاً إلى الشك في جودته. بيد أن دراسة مثل هاته، والتي هي في الواقع ليست إجبارية، تم القيام بها قبل عشر سنوات. تمكن "لوديسك" من الحصول على ملخص لهذه الدراسة، وتتكون النسخة الأصلية مما لا يقل عن 300 صفحة، وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم وضع نسخة منها لدى وزارة الصحة سنة 2010. وتم إنجازها تحت إدارة جان مارك عياش، خبير فرنسي، في حين قام البروفيسور يحيى شراح بالتنسيق.
صرح لنا مصدر من داخل الوزارة، والذي فضل الحفاظ على سرية هويته، بان هذه الدراسة "ضاعت"، وكذلك بأنه تم طلب نسخة أخرى منها وتم الحصول عليها يوم 5 يناير 2019 من طرف "فارما 5". وعبر المختبر عن "دهشته" من ضياعها، مشيراً إلى أن دواءه حاصل على براءة اختراع فرنسية تعود لسنة 2013، وأنه ملائم للمريض المغربي، كما أشارت إليه الدراسة التي اختفت بشكل غريب.
ويضيف المصدر ذاته، بأنه إذا كان هذا الدواء مميتاً فعلاً لم تكن الوزارة المعنية لتطلب من "فارما 5" تأمين متطلبات مراكزها الصحية التي كانت في حالة ذعر. وحسب مصادرنا فإن أحد المراكز الأربعة لليقظة الدوائية، شركاء المنظمة العالمية للصحة، هو المغرب، المرتبط مباشرة بقاعدة Vigiflow بالسويد. تم تحليل جميع الأعراض الجانبية على المستوى المحلي قبل أن يتم إرسالها إلى القاعدة العالمية قبل 10 سنوات. وتقول مريم لحلو الفيلالي، المديرة العامة لمجموعة "فارما 5" أنه "لو حدثت بالفعل حالات وفاة بسبب الدواء الذي نقوم بإنتاجه، لكان هذا قد ولد إنذاراً لدى منظمة الصحة العالمية منذ وقت طويل".
يمكن أن نخلص كذلك الى أن "حالات خطيرة لتسمم حدث بسبب مضاد الالتهاب الكبدي كان من المحتمل أن يتسبب في خمس وفايات" كما يفهم من جوهر ما كتبه اليوبي. "مرض السل هو السبب في حالات الوفاة وليس الدواء، خصوصا إذا عانى المرضى من نقص في العلاج، فهذا أشبه بأن نقول أن المريض بالسرطان يموت نتيجة العلاج الكيميائي"، أضافت مريم لحلو الفيلالي التي تفند بشدة أي رابط يمكن أن يقوم به مدير الأوبئة من خلال تقديم قاعدة للبيانات الإحصائية لهذا المرض لمدة 12 سنة لأكثر من 30000 مريض مغربي. "كل هذا، بالإضافة إلى انقطاع مبرمج، يساهم في مناورة هدفها وضع أحد المختبرات تحت ضغط كبير بهدف إطلاق عملية الاستيراد".
استنتاجات فاقدة للشرعية
لقد شكك عدد كبير من المختصين الذين تمت استشارتهم من طرف "لوديسك" في الاستنتاج الذي تم ترويجه حول الأثر الفتاك لهذا الدواء. حيث أكدوا جميعا أن مدير الأوبئة ليس لديه المشروعية لإنجاز التقرير بمفرده. "وجب تشكيل لجنة مختصة الصلاحية تجمع مسؤولي علم الأوبئة واليقظة الصيدلية ومديرية الأدوية والصيدلة بدعم من خبراء متخصصين في هذا المرض"، حسب تصريح المختصين. على هذه اللجنة كذلك أن تقدم رأيها في حالات الوفيات، خصوصا أن الأمر يتعلق بمرضى مصابين بمرض مميت، مع أخذ العديد من الخصائص بعين الاعتبار كالسن، الجنس، العلاجات المتبعة، والسوابق الطبية.. إلخ. فإذا كانت الخلاصات تؤكد أن حالات الوفيات كانت ناتجة عن المركبات العلاجية، فإن قرار سحبه من الأسواق أخذ بعين الاعتبار العلاقة بين الربح والمخاطر. وإذا كان الأمر يتعلق بعقار معين، فإن إيقافه يكون فوريا، في حين، أن غياب لجنة مختصة في هذه الحالة لا يسمح بمنعه. يجب التذكير بأن مرض السل يعتبر من بين الأمراض الأشد فتكا في العالم وتصيب بين 30 ألف إلى 35 ألف شخصا بالمغرب. وحسب معلوماتنا، حالتين من بين الخمس حالات المشار إليها في مذكرة اليوبي عانت من أمراض أخرى كالتهاب الكبد الوبائي وثلاثي الصبغي، في حين لم تتوفر أية معطيات طبية حول الحالات الثلاث الأخرى، الشيء
الذي يطرح سؤال المتابعة الطبية لهذه الحالات.
يشرح أحد المختصين حول الآثار الجانبية أنه "لكل دواء مستوى سمية معين، بما في ذلك بعض الأدوية العادية كالباراسيتامول" ويضيف "لهذا السبب، فإن تعاطي الدواء يخضع لتأطير مهني انطلاقا من لحظة وصفه إلى غاية شرائه، وبدون التوفر على تقييم فعلي حول وضعية المرضى، يبقى من محض الهرطقة القول أن هذا الدواء أو ذاك يتسبب في حالة وفاة، ويشبه ذلك القول أن أحد مضادات السرطان يشكل سببا للوفيات أخذا بالاعتبار عدد الأشخاص المصابين بالسرطان الذين تناولوا الدواء" يضيف المتحدث. وفي نفس السياق تقول مريم لحلو "لم يسبق أن ارتبطت إحدى حالات الوفاة بتناول أحد أدويتنا". وقد عبرت عن ارتياحها من دراسة حديثة لليقظة الصيدلية حول الدواء ERIP-K4 خصت مرضى مصابين بداء السل، والذي كان جمال توفيق ويحيى الشراح من بين الموقعين عليها، إذ تؤكد بأنه "لم يتم التبليغ عن أي أعراض جانبية غير متوقعة أو خطيرة". في نفس الوقت، أشارت نتائج دراسة أنجزتها منظمة الصحة العالمية صدرت سنة 2018 بأن نسبة النجاح العلاجي بالمغرب وصلت لنسبة 88 بالمئة سنة 2017. لكن من الممكن تدني هذه النسبة بسبب وقف علاج المرضى، بسبب النقص المقصود لمضادات السل. من جهتها، تقول" فارما "5 أنها سلمت مسبقا كل الطلبيات التي طلبت منها إلى غاية فبراير 2020.
يطرح السؤال إذن : هل كانت هناك رغبة في تشويه سمعة مختبر خاص مغربي بالهجوم على جودة أدويته؟ فطريقة العمل التي تمت بها الحملة ضد "فارما 5" تقدم عناصر أخرى بإمكانها تأكيد ذلك.
البلاغ الكاميروني في خدمة التنظيم السري
تم بالتزامن مع كل هذا نشر "بلاغ صحفي" من طرف حكومة الكامرون يفيد بسحب دواء "Aclav"، المضاد الحيوي الذي ينتجه مختبر "فارما 5". وتجدر الإشارة إلى أن هذا القرار قد صدر خلال شهر غشت الماضي، إلا أن البلاغ الذي صدر باسم وزير الصحة الكامروني لم يظهر الا يوم 22 أكتوبر المنصرم.
خلال يوليوز الماضي تم إعلام "فارما 5" بحجز صحي على دواء "Aclav" في بلد إفريقي آخر وهو بنين بسبب "تغيير في الجانب المرئي" له. ولم تقم مديرية الأدوية والصيدلة بإعطاء أي تفسير للمختبر. بل الأكثر من ذلك، وحسب مصادرنا دائماً، فقد تمت إقالة المسؤول وراء هذا القرار في دولة بنين وتعويضه بشخص آخر دون أن يتم تنفيذ قرار الحجز أو إلغائه.
وفي غضون ذلك، انتشرت معلومة الحجز هذه بشكل غير طبيعي بين مديريات الأدوية والصيدلة الإفريقية، مثيرة بذلك الخوف والذعر لدرجة أن بعض الصحف المغربية تحدثت عن سحب هذا الدواء من السوق، لتدفع بذلك وزارة الصحة إلى نشر تكذيب بناء على طلب ملح من "فارما 5".
Le communiqué du ministère camerounais de la santé diffusé trois mois après le retrait de l'Aclav. LE DESKهذا وقد قامت سلطات بنين بفتح تحقيق حول هذه المسألة، وتمكن موقع "لوديسك" من الاطلاع على نتائجه، ويفضح هذا التقرير عدم احترام شروط حفظ هذا النوع من الأدوية، وهذا ما تم التستر عليه في حالة "Aclav". وأفاد مصدر طبي أنه خلال السنة الماضية "قام مختبر الحكمة بسحب 16 علبة لنفس السبب، مثل "GSK" و "ميلان"، لكن هذا مر مرور الكرام، ببساطة لأن المشكل يعود في الأصل إلى عدم احترام شروط الحفظ".
Mise en quarantaine de l'Aclav au Bénin en juillet 2019 dans l'attente d'investigations qui ont au final disculpé le médicament. LE DESKهل كان يتم التخطيط إذن لضرب منتج صنع في المغرب على المستوى الوطني والدولي؟ يجيب مختبر "فارما 5" قائلاً "قررنا سحب جميع العلب المحجوزة في بنين من أجل إيقاف هذا النقاش الذي لا أساس له من الصحة".
مسألة انتشار البلاغ الكامروني بشكل متأخر (بناءاً على الحالة التي عرفها بنين ودون ذكر ذلك بشكل واضح) في الصحف، وانتشار مذكرة اليوبي حول مضادات السل ERIP-K4، في نفس الوقت بالتحديد، يطرح تساؤلاً حول قيام المسؤول عن هذا الافتراء بنشر نص بلغة فرنسية تقريبية، بغرض توريط "فارما 5" في ملفين آخرين وتشويه سمعة المختبر.
استراتيجية قارية لخدمة طموحات فردية
بإمكان مجموعة من المؤشرات تفسير هذا الانتشار المهول لمشكل صغير بخصوص "Aclav". فقد تم انتخاب المغرب في شخص مدير الأدوية والصيدلة، جمال توفيق، رئيسا لمكتب جمعية السلطات الوطنية للتنظيمات الصيدلية الإفريقية، والتي تم تأسيسها خلال انعقاد الدورة العشرين للمنتدى الدولي للصيدلة بمراكش، أيام 5 و6 يوليوز الماضي. تهدف هذه الجمعية، حسب تصريح قام به جمال لموقع هسبريس، إلى "تعزيز التعاون بين البلدان في مجال السياسة الدوائية، ومراقبة جودة منتجات الأدوية".
Le message du corbeau accompagnant la note de Youbi et le communiqué camerounais diffusé via WhatsApp aux journalistes. LE DESKواتضح أنه من بين الشخصيات الثلاثة التي تم انتخابها في مكتب الجمعية، يوجد الكامروني "دلي فاندي"، الذي يشغل منصب نائب الأمين العام، وهو خريج كلية الطب والصيدلة بالرباط، وكان طالباً لدى جمال توفيق، الذي كان أستاذاً لمادة الكيمياء الدوائية ونائب عميد الكلية. ومن الناحية المنطقية فإن البلاغ الصحفي حول سحب دواء "Aclav" من السوق والذي انتشر بشكل كبير، قد جاء بطلب من "دلي فاندي" الذي انتخب على رأس المديرية الكاميرونية للصيدلة والأدوية والمختبرات. إذن فإن الشبكة الإفريقية التي قام جمال توفيق بإنشائها وتشكيلها من معارفه هي من سمحت بتسليط الضوء حول قضية "Aclav".
قبل أن تتم الإطاحة به، كبرت رغبة جمال توفيق في إنشاء وكالة وطنية للأدوية، التي كان من المفترض أن تتولى مسؤولية مديرية الأدوية والصيدلة، والإشعاع على المستوى القاري. ضرورة إنشاء مثل هذه المؤسسة من طرف المغرب غير قابلة للنقاش، إلا أنه وأمام التأثير المعنوي الكبير لتوفيق على أتباعه، كان من الممكن أن يحول المؤسسة الى أداة تنفيذية في يديه لصالح مختبرات على حساب أخرى. إقالته لم تلعب دواراً في حل مشكلة إفلاس النظام المغربي في تسيير المجال الصحي الذي لا يزال غارقاً في التدبير الفرداني.
في غضون 18 شهراً، وحسب تقديراتنا فقد قام الثنائي "ميلان - فرامابروم" بالتربع على عرش أكثر من خمس مختبرات من أصل خمسين مورد للدولة المغربية، مع تركيز ما مجموعه 92 مليون درهم كرقم معاملات، ليحتكرا بذلك 8 في المائة من سوق الأدوية الوطنية.
©️ Copyright Pulse Media. Tous droits réservés.
Reproduction et diffusions interdites (photocopies, intranet, web, messageries, newsletters, outils de veille) sans autorisation écrite.








